صفد برس

صفد برس

"التنجيد" مهنة تراثية تقاوم الاندثار في غزة

201603301111444672903.jpg

201603301111444672903.jpg



غزة-أحلام حماد

تصوير-ناصر رحمة


يقاوم "المنجد" الخمسيني سليم العكلوك ومعه عدد قليل من زملائه المنجدين من أجل الحفاظ على مهنة "التنجيد" العريقة من الانقراض والاندثاء، لأسباب مختلفةومتعددة، تبدأ بظروف الحصار المفروض على قطاع منذ عشرة أعوام وما تسبب به من ارتفاع هائل في الأسعار، ومن ذلك أسعار منتجات التنجيد، ووصولاً إلى وفاة المنجدين القدماء وعزوف جيل الشباب عن العمل في هذه المهنة.

يعمل العكلوك (51 عاماً) في مهنة التنجيد منذ أن كان في العاشرة من عمره، ففي طفولته كان يساعد والده في هذه المهنة التي توارثها عن أبيه الذي عمل بها لنحو 80 عاماً.
ويقول العكلوك، بينما كان منشغلاً في تحضير غطاء من القطن لأحد زبائنه، إنه ورث واخوته مهنة التنجيد عن أبيه، وفي حين بقي متمسكاً بها حتى اليوم، هجرها أشقاؤه واتجهوا إلى مهن أخرى، بفعل قلة اقبال الناس في هذه الأيام على شراء منتجات التنجيد، ولجوئهم إلى المنتجات المستوردة.
ويقضي العكلوك، المتزوج من ثلاثة نساء ويعيل 17 ولداً وبنتاً، طوال ساعات النهار في محله الصغير غرب مدينة غزة، سعيداً بمهنته، ومن دون أن يكترث للارهاق الشديد الذي يصيبه، بحثاً عن لقمة العيش لأسرته الكبيرة. ويقول: "الحمد لله على كل حال، فرغم أن الاقبال ليس مثلما كان في السابق، إلا أنني محافظ على بعض الزبائن الذي يثقون بعملي ويفضلون التنجيد على المنتجات المستوردة".

"التنجيد" يواجه خطر الاندثار
وقال العكلوك، دون أن يتوقف عن وضع اللمسات الأخيرة على غطاء من القطن الأبيض، إن عدد العاملين في مهنة التنجيد في قطاع غزة محدود للغاية، نظراً لعزوف الأجيال الشابة عن العمل في هذه المهنة، وذلك لأسباب عدة، أهمها غزو المنتجات المستوردة من الوسائد والأغطية الأسواق، وارتفاع أسعار مثيلاتها المصنوعة يدوياً والمحشوة بالقطن.
ويرى العكلوك أن الناس تدرك قيمة منتجات التنجيد اليدوية، لكن الكثير منهم يلجأون إلى شراء المنتجات المستوردة بسبب انخفاض سعرها، وذلك بسبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والظروف الاقتصادية المتدهورة في القطاع الساحلي المحاصر منذ سنوات طويلة.
"قبل سنوات مضت كان الشباب يطرقون أبواب مشاغل التنجيد طلباً لفرصة التدرب على هذه المهنة، حيث كانت تدر ربحاً وفيراً، ولها مواسم تنتعش بها خلال العام، وكان الآباء يحرصون على توريثها لأبنائهم، لكن اليوم ومع تغير طبائع الناس وعاداتهم وتقاليدهم لم تعد لهذه المهنة قيمتها التي كانت تتمتع بها في الماضي القريب".
ورغم اقراره بتراجع قيمة مهنة التنجيد إلا أن العلكوك لم يفكر من قبل في تركها والتوجه إلى مهنة أخرى، فهذه المهنة بالنسبة للعكلوك ليست مصدراً للرزق وكسب قوت أطفاله وأسرته وحسب، وإنما "إرث أبيه وجده"، ويقول: سأبقى متمسكاً بالمهنة التي ورثتها عن أبي وأجدادي حتى وفاتي، ولن أبحث بعد هذا العمر الطويل عن مهنة أخرى لأتعلم فنونها وأسرارها.
ويدرب العكلوك، الذي تساعده إحدى زوجاته بعدما استغنى عن عماله بسبب قبلة اقبال الناس على منتجات التنجيد، عدداً من أبنائه للعمل في مهنة التنجيد، ومن شاء منهم فيكمل بها ومن لم يشأ فليختار لنفسه مهنة تناسبه، لكنه لم يخفي رغبته وأمنيته في أن يرث عدداً من أبنائه هذه المهنة العريقة كي يبقى اسمه حاضراً في الأذهان.
وتبقى مهنة "التنجيد" واحدة من قطاعات حياتية ومهن كثيرة تضررت بشكل كبير بفعل الحصار الخانق الذي فرضته دولة الاحتلال "الإسرائيلي" على القطاع الساحلي الصغير عقب فوز حركة "حماس" بالانتخابات التشريعية الثانية مطلع العام 2006.
وتسبب الحصار في تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية لنحو مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، حيث الارتفاع غير المسبوق في معدلات الفقر والبطالة، واعتماد نحو مليون فلسطيني على المساعدات الانسانية والاغاثية التي تقدمها مؤسسات دولية وعربية ومحلية.
وفي أيار (مايو) من العام الماضي، قال البنك الدولي في تقرير إن اقتصاد قطاع غزة كان من بين أسوأ الحالات الاقتصادية في العالم، حيث سجل أعلى معدل بطالة في العالم بنسبة 43 في المئة، والأخطر أنها ترتفع إلى حوالي 70 في المئة في الفئة العمرية الشابة التي تتراوح من 20 إلى 24 عاما.

مراحل التنجيد
وعن المراحل التي تمر بها عملية تنجيد المنتج سواء فراش أو وسائد أو أغطية، قال العكلوك إن المرحلة الأولى تكون عبارة عن نفض ونثر القطن باستخدام العصا، ومن ثم المرحلة الثانية وهي وضع القطن في ماكينة تعمل على ندف (خلط وضرب) القطن، من أجل تفكيكه، ومن ثم تأتي المرحلة الثالثة حيث يتم حشي (وضع) القطن في قماش المنتج، وبعد ذلم تكون المرحلة الرابعة والأخيرة وربما الأهم وهي تزيين وجه المنتج بأشكال وزخارف هندسية باستخدام الابرة والخيط، وهذه المرحلة تحتاج إلى كثير من الصبر والخبرة والدقة.
ويعتمد المنجد في عمله، وفقاً للعكلوك، على أدوات رئيسية منها الإبرة، و"الوتر" المصنوع من أمعاء الماشية لـ"تنفيش" الصوف، و"الكوشتبان" وهي عبارة عن قطعة بلاستيكية أو معدنية تلبس في الأصبع خلال الحياكة والتنجيد لتسهيل عمل المنجد.
ورغم عزوف كثير من الناس عن منتجات التنجيد إلا أن هذه المهنة تزدهر إلى حد ما في فصلي الربيع والخريف، حيث يعمد زبائن التنجيد على تجديد فراشهم وتخليصه من الرطوبة والغبار.

ذكريات
والد سليم، الحاج خليل العكوك (75 عاماً) لا يزال متمسكاً بمشغله الصغير في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، رغم قلة الاقبال عليه كما في السابق، غير أنه يقضي بالساعات الطويلة يعيش على ذكريات الماضي.
وعمل العكلوك في مهنة التنجيد منذ حوالي 60 عاماً، كانت بالنسبة له هواية جميلة عندما كان طفلاً، قبل أن يتخذها كمصدر رزق له ولأسرته.
ويقضي العكلوك معظم ساعات النهار داخل مشغله، الذي تكتشي جدرانه وأرضياته منتجات صنعها بيديه. ويقول العكلوك إنه لا يزال يعمل في التنجيد، ويعشق تطريز النقوش التراثية القديمة على منتجاته من الفراس والأغطية والوسائد، التي تذكر الفلسطينيين بتاريخهم الذي كان قبل وقوع النكبة في العام 1948.
ولا يستخدم العكلوك في منزله إلا من منتجاته التي ينجدها بيديه، ولا يؤمن بالمنتجات المستوردة، ويقول: إن منتجات التنجيد أكثر دقة وأفضل جودة.
ويستذكر العكلوك الزمن الجميل الذي كانت فيه مهنة التنجيد من بين المهن الرئيسية المهمة في المجتمع الفلسطيني، وكذلك في معظم الدول العربية.
وجال العكلوك في شبابه في عدد من الدول العربية، تعلم فيها من فنون التنجيد المختلفة، قبل أن يستقر به الحال في مدينة العريش المصرية التي افتتح بها مشغله الأول، قبل أن يعود إلى قطاع غزة ويفتتح عدة مشاغل في عدد من المدن لتلبية احتياجات زبائنه.
ولم يتبق من مشاغل العكلوك سوى مشغله الصغير في النصيرات، ومشغل ابنه سليم في مدينة غزة. وصمت العكلوك لوهلة وجال ببصره في المشغل، قبل أن يقول: كم كانت مهنتنا جميلة، في الماضي لم تكن الأفراح لتبدأ قبل أن يبدأ المنجد عمله، فعندما كان الشاب يخطب الفتاة، يسارع للاتفاق مع المنجد لتجهيز "عفش" بيت الزوجية من الفراش والأغطية والوسائد.
وكان المنجد ينتقل مع عماله ومعداته إلى منزل العريس، وبمجرد دخوله، تستقبله النساء بالتهليل والزغاريد وتوزيع الحلويات، على اعتبار أن شروعه في عمله هو بداية الفرح، لكن ذلك كله انتهى مع التطور وتغير عادات وتقاليد الناس ولجوئهم إلى المنتجات المستوردة من غرف النوم والفرش.

 

مواضيع ذات صلة