صفد برس

صفد برس

السينما في غزة.. خيال وذكريات

2016041109094318994314.jpg

2016041109094318994314.jpg




غزة-ولاء السعافين

تصوير-ناصر رحمة

لم تكن الحاجة لإكمال السؤال مهمةً لنعرف كم كان جميلاً ما تذكرته العجوز الفلسطينية سامية شاهين (68 عاماً) عن مغامراتها مع السينما في قطاع غزة، فابتسامتها وهي تصف السعادة التي كانت تغمرها عندما تذهب لقاعة العرض مع إخوتها ووالديها تجعل من يستمع لها يشعر بما يفتقده من متعة وخيال، إذا كان قد حرم من التجربة الشخصية التي يسمعها من لسانها ويراها في عينيها.

وتقول شاهين: "كل فيلم شاهدته في قاعات السينما محفور بذاكرتي بكل تفاصيله، من باب القاعة وشباك التذاكر وأصوات الضحك والبكاء التي تصدر في القاعة من الجمهور حين يعيشون التجربة مع البطل والبطلة، حتى حديثي مع صديقاتي عن شادية حين تركها عبد الحليم في فيلم معبودة الجماهير وفرحتنا بزواجهما في النهاية السعيدة".

وتتابع بضحكة تسترجع بها شقاوة الطفولة: "حتى صوت شخير الختيار النائم على الكرسي أمامي الذي كان يمنعني من الانسجام بالفيلم وما كنت أفعله به لأوقظه وأتمكن من المتابعة بهدوء".

هذه المتعة التي عاشها جيل سامية شاهين وما بعده بقليل لم تكن من نصيب الأجيال اللاحقة وحتى اليوم، عشرة دور سينما كانت تملأ القطاع الساحلي المحاصر منذ عشرة أعوام، قد أغلقت من دون إشعار آخر، وحكم عليها بالإعدام إما حرقاً أو احتلالاً أو إفلاساً، وبقيت أسماؤها إما مسميات لميادين وشوارع رئيسية أو محلات تجارية أو مقار حكومية أو ذكريات في عقول من عاشوا أوقاتاً سعيدة برفقة أصدقائهم وعائلاتهم داخل جدرانها.



أحلام بسيطة

وكتعويضٍ لشيء مفقود يقوم محمود نصار (26 عاماً) بمتابعة كافة أخبار السينما أولاً بأول وينتظر بفارغ الصبر أن يستطيع الحصول على رابط انترنت يستطيع من خلاله تحميل الفيلم الذي انتهى عرضه في دور السينما وأصبح متاحاً على الشبكات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في تنزيل الأفلام ليتمكن من مشاهدة الفيلم الذي كان قد قرأ عنه وعن ما حققه من نجاح أو انتقاد خلال عرضه ليكون -بحسب تعبيره- أول من شاهده من شباب القطاع المحرومين مثله من وجود السينما.

يقول نصار والحسرة واضحة على ملامحه: "أعلم أن الفرق كبير جداً بين مشاهدة الفيلم على شاشة الكمبيوتر وبين حضوره في قاعة السينما رغم عدم تجربتي لهذا الشعور في الحقيقة، ولكنني أتمنى أن يأتي يوم أستطيع فيه السفر، وأول ما سأفعله بكل تأكيد هو أن أقف على شباك التذاكر وأحجز التذكرة وأدخل للشاشة العملاقة التي لم أشاهدها إلا على التلفاز".

لكن أحمد شقورة (16 عاماً) وإخوته الأصغر سناً منه محمد وخالد كانوا أكثر حظاً من نصار حين استطاع والدهم من أخذهم لحضور فيلم "الجزيرة" في جمهورية مصر العربية قبل عامين أثناء إجازتهم الصيفية.

ويقول شقورة: "كنت برفقة والدي وإخوتي نتشاور حول فسحة اليوم حين طرح أبي فكرة ذهابنا لحضور فيلم في سينما اسمها نورمندي، وأتذكر أنني عارضت بشدة ولم تكن بالنسبة لي أمراً ممتعاً فلم أكن قد شاهدت سينما حقيقية من قبل إلا عبر شاشة التلفاز، ولكن حين ذهبنا كان العرض لفلم الجزيرة للفنان أحمد السقا، أذكر يومها من شدة انبهاري بالمكان أنني قلت لأبي أنني أريد البقاء لحضور كافة عروض ذلك اليوم، فالمقارنة غير موجودة بين حضور الفيلم على التلفاز وحضوره في قاعة السينما ورهبتها وتأثيرها على المشاهد".



"نريد سينما في غزة"

كان اسم الصفحة التي أنشأها مجموعة من الشبان في قطاع غزة أمراً غريباً لم يفهمه الكثيرون، ولكن سرعان ما انتشرت وزاد متابعيها خلال فترة قصيرة، فمنذ إنشائها على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) في 9 آب (أغسطس) من العام 2014 لوحظ تحرك الموضوع عملياً، حيث زادت المطالبات والتساؤلات عن وجود السينما في حياة الغزيين كحق يتمتع به كل سكان العالم وحتى أشقائهم في الضفة الغربية.

افتتحت الصفحة بعبارة تهكمية محتواها: "كمواطنين طبيعيين، نحلم بأن نكون مثل بقية الشعوب الطبيعية، نمتلك دار سينما تعرض كل الأفلام العالمية، بما لا يخالف شرع الله".

وفي هذه الصفحة التي تقوم بدور كواليس شاشة السينما للمتابعين بعرض صور لدور السينما المهجورة التي كانت تعمل قبل ما يقارب 18 عاماً، وكذلك متابعة السينما العالمية ووضع آخر أخبار الجوائز المتخصصة بالسينما والأفلام، وكذلك تنشر قصص أنجح المخرجين المميزين في العالم العربي والغربي لتشعر القارئ بوجود السينما ولو من وراء الشاشة.

ويقول مؤسس الصفحة والمسئول عن إدارتها إسلام السقا على صفحته الخاصة: "أنا متأكد أنه إذا تم فتح سينما في قطاع غزة ستكون طوابير الراغبين بالحصول على تذاكر اليفلم مشهداً تصوره كل وكالات العالم، فنحن في قطاع غزة متعطشين لوجودها وهذا حق كل مواطن كان غنياً أم فقير، متعلم أو جاهل، فنحن مثلنا مثل الشعوب الأخرى ونمتلك من الهموم ما يستوجب على المسؤولين أن يوفروا لنا فرصة للترويح عن أنفسنا ولو عبر شاشة عرض".



السينما في غزة.. تاريخ وعراقة

ويروي المخرج الفلسطيني خريج المدرسة السينمائية الروسية والذي اشتهر بإخراج عدة أفلام حازت على جوائز مهمة على المستويين العربي والدولي خليل المزين أن قطاع غزة كان يمتلك السينما الحقيقية الأكبر في الشرق الأوسط والتي كانت مزاراً لكبار الممثلين المصريين والمطربين أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما.

ويبدأ سرد تاريخ دور السينما بذكره سينما "السامر" في فترة الخمسينات والتي كانت أهم وأكبر دار سينما من حيث المساحة والأجهزة التي كانت تعمل بها، ولا زال مبناها قائمٌ حتى الآن ولكنه تحول إلى "كراج" (موقف) حكومي لفحص السيارات، ولا زال اسمها يطلق على أهم مفترق في مدينة غزة.

ويتابع المزين: "أما الدار الثانية فهي سينما النصر في شارع عمر المختار والتي لا تبعد عن سينما السامر كثيراً ولا حتى بالمصير فهي أيضاً لا يزال مبناها قائماً حتى الآن، حيث أغلقت في عام 1987 مع اندلاع الانتفاضة الأولى وبسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، ورغم محاولة بعض رجال الأعمال إعادة افتتاحها في فترة عودة السلطة الفلسطينية عقب اتفاقية أوسلو في العام 1993، لكنّها لم تعمل سوى شهرين، قبل أن تُحرق من قبل بعض المتظاهرين، إثر خلافٍ نشب بينهم وبين أحد قيادات السلطة الفلسطينية آنذاك".

ويروي المزين قصص باقي دور السينما في تلك الفترة قائلاً: "أما دار السينما الثالثة تقع في شارع الجلاء، أحد أهم شوارع مدينة غزة، والتي كان مصيرها البيع والهدم، وكذلك دار السينما الرابعة كان يطلق عليها سينما عامر، ولم يختلف مصيرها عن سابقاتها، فقد عرفنا الشوارع بأسماء السينما، كذلك السينما كانت تُعرف بالشوارع".

ويذكر المزين أن هناك ثلاثة دور سينما كانت في جنوب قطاع غزة في مدينتي رفح وخان يونس ولاقت بالطبع المصير ذاته.

ويؤكد المزين أن الأسباب التي كانت وراء عدم افتتاح دور السينما كالفقر والجهل بأهميتها لم تعد موجودة، وأن من حق الغزيين أن يمتلكوا صرحاً سينمائياً يطلُّون عليه على ثقافات العالم الآخر ويُعرض من خلاله هو وباقي المخرجين والمنتجين أفلامهم لشعبهم قبل أن يعرضوها للعالم بحسب تعبيره.



لا اعتراض حكومي

أما عن رأي الجهات الحكومية ومبرراتها بعدم وجود دار سينما في غزة، قال مدير عام الفنون والتراث الفلسطيني في وزارة الثقافة عاطف عسقول أنه يرى أهمية وجود دار سينما هي حاجة ملحّة خاصة في ظل الظروف الراهنة والضغط الذي يعيشه المواطن الغزّي من حصار وفقر وبطالة وأزمات لا تنتهي.

ونفى عسقول أن يكون الاتجاه الإسلامي لحركة "حماس" هو السبب وراء عدم وجود سينما في قطاع غزة حتى الآن، مؤكداً أن السبب الحقيقي هو خوف رؤوس الأموال من تجربة افتتاح سينما قد لا تكون مشروعاً ناجحاً بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وقال: "نحن ندعم ونشجع أي مبادرة قد تكون في اتجاه افتتاح دار سينما في غزة تعرض أفلاماً ضمن ثقافتنا وعادتنا وتقاليدنا الفلسطينية".

ويشير عسقول لدور وزارة الثقافة وانجازاتها في دعم الأفلام السينمائية، قائلاً: "لقد تم إنتاج أفلام راقية ومهمة خلال السنوات الماضية مثل فلم عماد عقل الذي كتبه القيادي في حركة حماس محمود الزهار، والذي مثل نقلة نوعية في إنتاج الأفلام الدرامية الفلسطينية، وكذلك إطلاق مهرجان فلسطين الدولي السينمائي للأطفال عام 2013".

وذكر عسقول أن وزارة الثقافة استطاعت التواصل مع المركز الإيطالي للتبادل الثقافي وحصل اتفاق أسبوع السينما الإيطالي الفلسطيني، والذي سيعرض أفلام سينمائية موحدة في غزة وايطاليا بنفس التوقيت وكذلك استعداد المركز الايطالي لتحمل نفقات إعادة ترميم دور السينما وافتتاح بعضها في الوقت القريب.



"الهلال"..خطوة أولى

وفي محاولةٍ قريبة من دار سينما افتُتِح مؤخراً صالة عرض في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تتكون من مساحة متواضعة بالنسبة لمواصفات دور السينما حيث تحتوي على 200 مقعد للحضور وأجهزة غير مخصصة، لكنها بحسب رندة سلامة (32 عاماً) تجعلها تخوض تجربة إحساس حضور فيلم في قاعة سينما.

وتقول سلامة: "آتي إلى هنا وأحضر كل الأفلام التي تعرض برفقة صديقاتي، ورغم أنهم لا يعرضون إلا بعض الأفلام الدرامية الفلسطينية طول الفترة السابقة، إلا أنهم أخيراً قرروا عرض فلم حائز على جائزة الأوسكار عام 2015 وهو عبارة عن فلم أنيميشن مترجم للغة العربية وهذا يعد نقلة نوعية".

وتتابع سلامة: "لم أجرب في حياتي إحساس حضور فلم في قاعة سينما حقيقية ولكنني خضت جزءاً من هذه التجربة منها في قاعة الهلال الأحمر حيث يجتمع مجموعة من الأشخاص لا يعرفون بعضهم البعض ولكن يعيشون مع البطل طوال مدة عرض الفيلم ويعيشون القصة بتفاصيلها يتعاطفون معه جميعاً في حزنه ويضحكون معا في فرحه وهذا بحسب اعتقادي ما تعنيه قاعات السينما".

 

 

 

مواضيع ذات صلة