صفد برس

صفد برس

«عمداء الأسرى».. جنرالات الصبر خلف القضبان

2016041710103030412793.jpg

2016041710103030412793.jpg

 

 

 

 

 

 

غزة-محمد عدوان

مات والده وتجاوزت والدته الثمانين من العمر، ومرَّ كثير من المناسبات والأحداث، خلال 33 عاماً قضاها الأسير الفلسطيني كريم يونس (56 عاماً) بشكل متواصل في سجون الاحتلال «الإسرائيلي» نال خلالها لقب «عميد الأسرى».

قبل نحو عام وبضعة أشهر توفي والد كريم من دون أن يتمكن من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، لرفض سلطات الاحتلال طلبه السماح له بالمشاركة في تشييعه.

شعر كريم بجدران السجن وقضبانه تطبق على صدره، كما لم يشعر بها من قبل على مدار أكثر من ثلاثة عقود، وسيطر عليه الحزن الشديد لعدم تمكنه من تلقي العزاء في وفاة والده.

يقول الباحث المختص في قضايا الأسرى في سجون الاحتلال الأسير السابق عبدالناصر فروانة، إن سلطات الاحتلال تحاول بكل السبل كسر إرادة الأسير، ومن ذلك حرمانه من الزيارة، أو عزله، أو كما في حالة الأسير كريم يونس بمنعه من المشاركة في مناسبة إنسانية كوفاة والده.

وينال «عمداء الأسرى»، وهم الأسرى الذين مضى على اعتقالهم بشكل متواصل في سجون الاحتلال أكثر من 20 عاماً، جانباً كبيراً من الألم والمعاناة بسبب السياسات العنصرية والعدوانية لدولة الاحتلال بكل مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية ضدهم، بحسب فروانة.

كريم يونس هو واحد من بين 39 أسيراً فلسطينياً يقبعون في سجون الاحتلال منذ ما يزيد على 20 عاماً، في ظل ظروف بالغة القسوة والسوء وتفتقر لأبسط مقومات الحياة.

وبينما حرمت قوات الاحتلال كريم من المشاركة في تشييع والده، فإن والدته الثمانينية لم تستطع لفترة طويلة زيارته في السجون لأسباب صحية، الأمر الذي ضاعف من حزنه وآلامه.

على مدار 33 عاماً وطئت قدما «أم كريم» كثيراً من السجون التي نقل إليها كريم، وباتت تحفظها وتحفظ الطرق المؤدية إليها، كنفحة وعسقلان وبئر السبع وشطة وجلبوع والتلموند وهداريم وغيرها الكثير من السجون.

ويقول فروانة إن ما تسمى «مصلحة سجون الاحتلال» تتعمد بين فترة وأخرى نقل الأسرى بين السجون، كنوع من أنواع العقاب، وعدم منح الأسير الشعور بالاستقرار وتكوين صداقات، وذلك سعياً منها للتأثير سلباً في الحال النفسية للأسير.

ولد كريم يونس في قرية عارة في المثلث داخل فلسطين المحتلة عام 1948 يوم الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1958، بين ثلاثة أشقاء وشقيقتين، وقد أنهى دراسته الأساسية في مدارس القرية، ثم التحق بقسم الهندسة الميكانيكية في جامعة بئر السبع، وفي السادس من يناير/كانون الثاني 1983 وبينما كان في السنة الجامعية الثالثة اعتقلته سلطات الاحتلال «الإسرائيلي».

وبعد التحقيق معه لأيام طويلة، وجهت له النيابة العسكرية «الإسرائيلية» تهمة حيازة أسلحة بطريقة غير قانونية، وقتل جندي «إسرائيلي»، وبعد 27 جلسة محاكمة، حكمت عليه المحكمة العسكرية في مدينة اللد بالإعدام شنقاً، قبل أن يتم تخفيف الحكم إلى «السجن المؤبد مدى الحياة»، لأن القانون «الإسرائيلي» لا ينص على عقوبة الإعدام.

ولا تتوقف أم كريم عن تأكيد إيمانها بعزيمة نجلها كريم وقدرته على الصمود برغم الألم وطول الغياب، وتبدي فخراً شديداً به، وتقول: «كان ذكياً ونشيطاً ولولا اعتقاله لكان الآن مهندساً كبيراً ويمتلك مصانع كبيرة».

ولم يبق لأم كريم من حلم في الحياة أكبر من رؤية كريم يعانق الحرية تضمه إلى صدرها، وتقول: «أنتظر الإفراج عن كريم لحظة بلحظة وأتمنى عناقه خارج الأسر ولو لمرة واحدة قبل أن أفارق الحياة».

ورفضت «إسرائيل» إدراج كريم وأغلب الأسرى الفلسطينيين من الداخل المحتل ضمن صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار) قبل خمسة أعوام، بدعوى أنهم مواطنون يحملون بطاقات هويتها.

ويقول نديم يونس، شقيق كريم، إن جميع أهالي القرية يفتخرون بتضحيات كريم، ويعتبرونه رمزاً وطنياً ونضالياً.

وأكد نديم أن السنوات الطويلة وظلمات السجن لم تؤثر في عزيمة كريم وصموده، وقدرته على مواصلة مواجهة الظلم، ما جعل له مكانة مرموقة في نفوس الأسرى.

ويتفق فروانة مع نديم، في أن كريم صاحب تجربة غنية داخل سجون الاحتلال، جعلت من كلمته مسموعة في أوساط الأسرى.

ونجح كريم في التغلب على ظروف السجن والاعتقال القاسية، وحصل على شهادتين جامعيتين، وألف كتباً حول سجون الاحتلال وظروف الاعتقال يفضح من خلالها حكومات الاحتلال المتعاقبة وسياساتها العنصرية والعدوانية تجاه الأسرى والأسيرات في السجون.

ونقل نديم عن كريم تأكيده أن موته في السجن أهون عليه من التنازل والتهاون في كرامته والمس بتاريخه النضالي الطويل، ولذلك فإنه يصر على نيل حريته وانتزاعها انتزاعاً ضمن صفقة تبادل أسرى مشرفة.

وكان الأسير المقدسي أكرم إبراهيم القواسمي (40 عاماً) آخر الأسرى الذين انضموا إلى «قوائم الشرف» أو ما يطلق عليهم «عمداء الأسرى»، بدخوله العام الحادي والعشرين في الأسرى بشكل متواصل.

واعتقلت قوات الاحتلال القواسمي في الثامن من مارس/آذار 1996، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مرتين، بعدما وجهت له تهمة الانتماء للمقاومة، والمشاركة في عدد من العمليات الاستشهادية في مدينتي القدس وعسقلان أدت إلى مقتل عدد كبير من «الإسرائيليين».

ويقول الباحث في شؤون الأسرى الناطق الإعلامي باسم «مركز أسرى فلسطين للدراسات» رياض الأشقر إن الأسير القواسمي تعرض خلال سنوات اعتقاله للكثير من العقوبات منها على خلفية نشاطه داخل السجون، حيث حرم من الزيارة مرات عدة، ونقل إلى العزل الانفرادي كعقاب مرات عدة.

وأوضح الأشقر أن قائمة عمداء الأسرى التي تضم 39 أسيراً، من بينهم 30 أسيراً معتقلين منذ ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل» في العام 1993، وكان من المفترض إطلاق سراحهم جميعاً، ضمن الدفعة الرابعة من صفقة إحياء المفاوضات أواخر العام 2013، إلا أن سلطات الاحتلال تراجعت عن إطلاق سراحهم بعد تعثر هذه المفاوضات.

وكانت «إسرائيل» أطلقت سراح 3 دفعات تضم 76 أسيراً من القدامى والمحكومين بأحكام عالية، بينما نكثت بتعهداتها بإطلاق سراح الأسرى المتبقين لأسباب سياسية.

ووفقاً للأشقر فإن سبعة من عمداء الأسرى أمضوا ما يزيد على 30 عاماً بشكل متتالٍ في سجون الاحتلال، أبرزهم وأقدمهم الأسير كريم يونس.

ويشكل «عمداء الأسرى» أوضح صور المعاناة المستمرة التي يعيشها الأسرى داخل سجون الاحتلال، فحرمانهم من حقهم في الحرية والحياة لسنوات وعقود طويلة ينغص على ذويهم فرحتهم بلقائهم كلما تمكنوا من زيارتهم، فالسلاسل والقيود والأسلاك تحول بينهم خلال الزيارة التي لا تزيد على 45 دقيقة، وتزيد من آلامهم وأوجاعهم. 

مواضيع ذات صلة