صفد برس

صفد برس

مزارعو جحر الديك.. محصول بطعم الخوف!

2016042311115040557265.jpg

2016042311115040557265.jpg

 

غزة-ولاء السعافين

تصوير- ناصر رحمة

"رغم أنها جُرّفت ثلاث مرات، سأزرعها ولو جرفت ألف مرة"، هكذا عبّر المزارع الغزي جبر السرحي (76 عاماً) مفسراً تشبثه بأرضه الزراعية في منطقة جحر الديك جنوب شرقي مدينة غزة، والمتاخمة مباشرة للسياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة ودولة الاحتلال "الإسرائيلي".

يعمل السرحي في مهنة الزراعة التي ورثها عن آبائه وأجداده منذ صغره، وهو واحد من عدد قليل من المزارعين الفلسطينيين الذين حرصوا على فلاحة أراضيهم الزراعية المتاخمة للسياج الأمني، برغم ما ينطوي عليه ذلك من خطر كبير بفعل الاستهداف "الإسرائيلي" شبه اليومي للمزارعين ورعاة الماشية.

ولم يمنع السرحي تقدمه في العمر ولا الصعوبات والتحديات التي يواجهها من تجريفٍ لأرضه أو فقدان محصوله في عمليات توغل "إسرائيلية"، من مواصلة المهنة التي تربى عليها وخلق ليمتهنها -بحسب تعبيره- وحتى رغم تخلي أبنائه الثلاثة عن مساعدته في الزراعة وعملهم في مهنٍ أخرى بعد أن جُرفت أرضهم الزراعية للمرة الثالثة في الحرب الأخيرة التي شنتها "إسرائيل" على القطاع صيف العام 2014.

 

حنين للأمان

ويقول السرحي: "رغم أنني كثيراً ما زرعت الأرض بشتى أنواع الخضار والفواكه، وقامت قوات الاحتلال بتجريفها قبل أن نرى زهرها، إلا أنني لن أتعب من المحاولة والصمود هنا، حتى لو لم أستفد منها سوى ما يكفي لحاجة أسرتي الحياتية، فأنا ورغم عمري المتقدم إلا أنني أتمتع بصحة ممتازة والحمد لله لأنني لا آكل إلا ثمارٍ أزرعها بنفسي ولا حتى اللحوم غير البلدية فلدي دواجني التي أربيها واعلفها بعيداً عن كل الكيماويات والهرمونات التي يحقنون بها الطيور والدجاج المستوردة".

ويمشي السرحي ما يقارب الستة كيلو مترات من منزله في منطقة الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة إلى أرضه في منطقة جحر الديك، بسبب خوف سائقي الأجرة من الوصول إلى تلك المنطقة المحفوفة بالمخاطر.

وعن رحلته اليومية من منزله إلى أرضه، يقول السرحي إنه يستيقظ من نومه وقت الفجر ليصل مع شروق الشمس، ويضطر السرحي إلى مغادرة أرضه والتوجه إلى منزله قبل غروب الشمس حيث تزداد وحشة المكان مع حلول الظلام وتكثف قوات الاحتلال من دورياتها العسكرية التي تجوب المنطقة داخل السياج الأمني.

"عندما أسمع آذان العصر أحاول مغادرة الأرض والمنطقة سريعاً حيث تبدأ دبابات الاحتلال على السياج الأمني بالتحرك وإطلاق النار على كل هدف متحرك بهدف إخافتنا لنخلي المكان بأسرع وقت ممكن وهذا يعوقنا عن متابعة عملنا أو حتى الاستمتاع بجلسة العصر بين المزروعات والعصافير والتنعم بجمال وهدوء المكان، فكم تمنيت غفوة هادئة وقت العصاري في أرضي التي يحرمني منها الاحتلال بجرائمه واعتداءاته اليومية"، والحديث للسرحي.

ويشير السرحي إلى ذكرياتٍ كان يعيشها مع عائلته وأولاده في أرضهم حيث كانوا في معظم مواسم جني المحاصيل، وخاصة مواسم قطف الزيتون وحصاد القمح والذرة يقومون بعمل طقوس خاصة تختلف تماماً عن هذه الأيام، حيث كانوا يبدأون بالتجهيز للموسم قبل فترة، وكأنهم يستعدون لزفة عريس.

 ويروي بحسرة تظهر واضحةً على وجهه: "منذ أن فقدنا الفرحة التي كانت تحف الأرض في موسم الحصاد فقدنا البركة في المحصول وفي الرزق" محتسباً عند الله تعالي ممن كان السبب وراء تدهور أحوالهم اليومية والمعيشية، قاصداً الاحتلال "الإسرائيلي" بحروبه واعتداءاته وحصاره.

 

 

مخاطرة يومية

وليس بعيداً عن أرض السرحي، تجد أرض الأخوين بدوي، وتتكون العائلة من الأخ الأكبر جميل بدوي (37 عاماً) وهو متزوج ولديه أربعة أطفال، وشقيقه الأصغر نبيل (35 عاماً) وهو والدٌ لأربعة أطفالٍ أيضاً.

يتوجه الأخوين بدوي مع أسرتيهما مع شروق الشمس بواسطة عربة يجرها حمار متجهين إلى أرضهم وهم يحملون مذياعاً (جهاز راديو) ويستمعون لنشرة الأخبار الصباحية حتى يطمأنوا إلى أن الوضع الأمني مستتب ولا توجد تحركات لقوات الاحتلال "الإسرائيلي" وآلياته العسكرية على السياج الأمني، وما أن يبلغوا المنطقة حتى يضعوا أطفالهم إلى جانب الأرض، ويبدأوا يومهم بتحضير طعامهم وأدوات الزراعة، قبل أن يكشفوا عن أذرعهم إيذاناً ببدء العمل.

"لقد كان هنا في هذه الزاوية غرفة بها بعض المنافع نجلس فيها للراحة ونضع الأطفال حين ينامون ليستريحون قليلاً ولكنها جُرفت مع باقي الأشجار في الحرب الإسرائيلية الأخيرة ولم نستطع بناء غرفة مكانها حتى الآن" قالها نبيل وهو يقف مشيراً بيديه لحيزٍ من الأرض واصفاً مكان الغرفة التي يتحدث عنها.

وأضاف "نعلم أنها مخاطرة كبيرة وتعب ومشقة على النساء والأطفال حين نجلبهم معنا ليساعدونا في عملنا في الزراعة، ولكن ما باليد حيلة، فنحن لا نملك المال لنستعين بعمال ومزارعين خاصةً بعد أن جرفت أرضنا لأكثر من ست مرات، وفقدنا ما يقارب 100 شجرة زيتون خلال الحرب الأخيرة وعمليات توغل إسرائيلية شبه يومية في المناطق والأراضي الزراعية المحاذية للسياج الأمني".

 

طفل مزارع

وبينما كان جميل ينثر بذور الفول الأخضر في الممرات الضيقة التي حفرها نبيل كانت زوجتيهما وأولادهما في الجانب الآخر من الأرض التي تمتد على مساحة ألفي متر مربع يجمعون ثمار البامية ويجهزونها للبيع حيث يتم وضعها في صناديق كرتونية بمساعدة الأطفال.

ويقول نبيل: "اضطررت إلى دفع ابني الأكبر محمد ذو العشرة أعوام إلى ترك المدرسة ليساعدني في العمل، فقد اشتد عوده وتعود على الزراعة، كما أنني احتاجه بشدة ولا ارغب بأن اتركه بعيداً عن عيني، فإذا كنا في خطر أُفضِّل أن نكون معاً ولسنا متفرقين".

وحين سمع الطفل محمد حديث والده عنه ابتسم وحمل الفأس الصغير ليضعه على كتفه بفخر، وقال والابتسامة ترتسم على ملامح وجهه الطفولي: "أنا أحب الزراعة وأصبحت أحرث الأرض وأجهزها لرمي البذور بسرعة تفوق والدي وعمي كذلك".

محمد كان واعياً ومدركاً لمدى الخطورة من حوله عندما سئل عن الخطر والخوف من تحركات آليات الاحتلال، وقال: "طبعاً نخاف وأحياناً يطلقون النار فنسرع ونتعثر في الرمال إذا كانت مزروعة ولكن أحياناً يكونوا هادئين ولا يزعجونا فنعمل ونلعب من دون قلق، ولكن والدي يقول إنهم (ما لهم أمان)".

ويؤكد نبيل أنه لا يستطيع العمل بأية مهنة أخرى هو وعائلته وأنه لن يكل ولن يمل من المحاولة حتى لو جرفت الأرض مرات ومرات.

 

زراعة وذكريات

وتمثل الأرض بالنسبة لناصر أبو دف (57 عاماً) الذي عانى الكثير من قوات الاحتلال حيث تم اعتقاله وإطلاق النار عليه عشرات المرات بسبب القرب الشديد لأرضه الزراعية التي تمتد على مساحة خمسة دونمات على السياج الأمني، أكثر من مجرد مصدر رزق، فهي كل ما يملك وصندوق ذكرياته الخاص، ويقول: "في هذه الأرض تزوج جدي ووُلد والدي وولدت أنا وإخوتي وفيها لعبنا ولهونا صغاراً، ومن أجلها نحارب ونقاتل وندفع من أعمارنا وأرواحنا".

ويتابع أبو دف من دون أن يتوقف عن تنظيف وتقليم الأعشاب عن زرعه بمعول صغير: "رغم قدومنا كل يوم إلى هنا منذ آذان الفجر، ومع أن اليوم هادئ مشوب بالحذر، إلا أننا نعمل وعيوننا باستمرار ترقب الجهة الشرقية نحو جنود وآليات الاحتلال التي تجوب المنطقة ذهاباً وإياباً ونحن نشعر بأن فوهات المدافع المثبتة أعلى الدبابة وفوق الأبراج العسكرية المطلة على أراضينا وكأنها تقول لنا انتبهوا فعيوننا عليكم نرصد كل تحركاتكم، فهم يعلمون كل شخص يتحرك في هذه المنطقة"، قالها بنبرة وكأنه يحذر كل غريب من الوصول للمنطقة.

ويشاطر أبو دف جيرانه أصحاب الأراضي المجاورة في إصراره على الصمود رغم تجريف أرضه أكثر من خمس مرات بحسب قوله، وخسارته لمحاصيل، وأشجار يفوق عمرها عمر دولة الاحتلال بسنوات، وبئر مياه كان يعتمد عليها في ري المزروعات، حيث تم هدمه مرتين تمكن فيهما من إصلاحه بمساعدة بعض المؤسسات المانحة، ولكن المرة الثالثة لم يتمكن من الحصول على مساعدة لبنائه من جديد ولم يستطع تحمل تكلفة إعادة حفره بسبب الكساد الزراعي الذي يشتكي منه كل مزارعي قطاع غزة بفعل عمليات التوغل والاعتداءات والحصار "الإسرائيلي" الخانق المستمر منذ عشرة أعوام.

 

الصمود وحده لا يكفي

ويلوم أبو دف على الحكومة الفلسطينية والمؤسسات الرسمية والأهلية والدولية تقصيرها في دعم واسناد المزارع الفلسطيني في ظل ما يعانيه من آلام وخسائر، وقال: "يجب على هذه المؤسسات دعمنا واسنادنا بشدة، خصوصاً أصحاب الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية، ومناطق التماس مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي"، متسائلا: "إذا كانت الأرض هي محور الصراع، فبماذا يمكن تفسير تقصير هذه المؤسسات عن دعمنا، وتعزيز صمودنا؟!".

وقال مدير عام الإدارة العامة للإرشاد في وزارة الزراعة نزار الوحيدي إن الوزارة تتابع وتهتم بشكل يومي بأوضاع المزارعين الفلسطينيين، خصوصاً أولئك أصحاب الأراضي الزراعية في المناطق الأشد خطورة، وتعمل بقدر استطاعتها وما يتوفر لديها من امكانيات على تعويضهم عن خسائرهم بهدف تعزيز صمودهم وعدم تحقيق دولة الاحتلال لهدفها بافراغ الأرض من أصحابها ومزارعيها.

ودلل الوحيدي على حديثه بتراجع دولة الاحتلال عن تفاهمات اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته مصر في السادس والعشرين من آب (أغسطس) من العام 2014، ومعاودتها لفرض المنطقة الأمنية العازلة بعمق أكثر من 300 متر على طول السياج الأمني الممتد من شمال القطاع إلى جنوبه، وارتكابها اعتداءات شبه يومية ضد المزارعين حتى خارج هذه المنطقة المفروضة قسراً وارهاباً.

واتفق الوحيدي مع أبو دف في خصوص ضرورة دعم المزارع الفلسطيني الذي كان أحد أكثر الفئات تضرراً من الحروب "الإسرائيلية" والحصار الخانق، ولا يزال يتمسك بأرضه رغم كل ما يتعرض له من أخطار وخسائر، حتى أن بعضهم دفع حياته ثمناً لتشبثه بالأرض ورفضه الاذعان لارهاب الاحتلال.

 

مواضيع ذات صلة