صفد برس

صفد برس

"بيت جدودنا".. عجائز بروح الشباب

2016052109214738286719.jpg

2016052109214738286719.jpg

 

 

غزة-أحمد الاخرس

تصوير-ناصر رحمة

لا يزال الستيني طلال أبو كويك يتمتع بالرغبة والارادة لممارسة هواياته الشبابية المفضلة، من دون أن يشكل له التقدم في العمر عائقاً، وساعده التحاقه بنادي "بيت جدودنا" الذي يهتم بفئة كبار السن في غزة في تحفيزه وتوفير الأجواء المناسبة له كي يعبر عن ذاته بالفن والرسم وأشياء أخرى.

أبو كويك (66 عاماً)، واحد من بين عشرات من أقرانه رجالاً ونساء، وجدوا في "بيت جدودنا" الملاذ من حال الفراغ والملل التي يشعر بها كبار العمر، بعد تقاعدهم من العمل، وتفرق الأبناء من حولهم لبناء حياتهم الخاصة.

"بيت جدودنا" هو مشروع بادرت إلى إقامته جمعية الوداد الخيرية وهي مؤسسة غير حكومية، وبتمويل من المؤسسة العالمية لرعاية كبار السن المعروفة باسم  (Help Age)، وهدفه الرئيسي تعزيز ثقة فئة كبارة السن بأنفسهم، والعمل على اعادة دمجهم في المجتمع، من خلال برامج صحية وثقافية وتعلمية وترفيهية، والتعرف على هواياتهم الخاصة وتشجيعهم على ممارستها وتنميتها.

 

عودة لهواية الشباب

ويقول أبو كويك إنه وجد التشجيع والمساحة الكبيرة في "بيت جدودنا" من أجل ممارسة الهواية التي يعشقها من صغره، وهي الرسم.

سنوات طويلة مرت من عمر أبو كويك من دون أن يتمكن من ممارسة هوايته بالرسم على الفخار، لكنه وجد الفرصة والتشجيع في "بيت جدودنا"، ويقول: "كان حلمي أن أدرس الفنون في الجامعة، حيث كان كثيرون من الاقارب والمعارف يعجبون بمحاولاتي الاولى في الرسم، غير أن الظروف الاقتصادية للأسرة حرمتني ليس فقط من الدراسة التي اضطررت إلى تركها بعد عام واحد فقط، ولكن من ممارسة هذه الهواية المفضلة".

أبو كويك، لم يمارس أي عمل منذ عشرة أعوام لتقدمه في العمر ولارتفاع معدلات البطالة وقلة فرص العمل في قطاع غزة المحاصر منذ منتصف العام 2007، لم يتردد في الالتحاق بنادي "بيت جدودنا" بمجرد سماعه عن النادي وما يقدمه لكبار السن من مساحات تعليمية وترفيهية وغيرها من الخدمات.

ويقول: التحقت بالنادي منذ أربعة أعوام، وليس لدي أي نية لتركه أو مغادرته والعودة للمنزل والفراغ مرة أخرى، طالما نظام النادي يسمح لي بذلك، ففي هذا النادي أعدت اكتشاف نفسي وقدراتي ورغبتي في الحياة من جديد.

واستعاد أبو كويك اكتشاف موهبته في الرسم من جديد، وعاد لممارسة الرسم، بل وممارسة كثير من الهوايات والالعاب التي لم يكن متاحاً له ممارستها والاستمتاع بها في شبابه.

ويعتمد رواد النادي على أبو كويك في تنظيم مسابقات ثقافية بينهم، هدفها التحفيز، وتشجيع كبار السن على المنافسة، والاستفادة من معلومات جديدة.

 

معلمة في عمر السبعين

وما يثير اعجاب أبو كويك، وجميع أعضاء "بيت جدودنا"، أنهم وجدوا في النادي ما يغطي مساحات الفراغ التي كانوا يعانون منها، وأصبحوا يشعرون أنهم فاعلين في المجتمع وليسوا على هامشه، يمارسون هواياتهم، ويتلقون خدمات مفيدة ومتنوعة.

السبعينية فاطمة رزق معلمة مدرسة متقاعدة، لم تستطع احتمال الجلوس في المنزل لساعات طويلة وفي ظل فراغ قاتل، بعد سنوات طويلة قضتها بهمة ونشاط تستيقظ منذ الصباح الباكر لتباشر عملها في التدريس.

ووجدت رزق نفسها في "بيت جدودنا"، وتقول: "كم أنا محظوظة بهذا النادي، وبهذه المجموعة الرائعة، فمنذ التحقاقي بالنادي زال شعور الوحدة والفراغ، ولا زلت أشعر وكأنني في بداية سنوات عملي الأولى كمعلمة مدرسة".

وتقضي رزق وقتها في النادي بتعليم النساء القراءة والكتابة وحياكة الصوف، وتقول: "تأكدت أنني لا زلت على قيد الحياة، أفيد غيري وكذلك استفيد منهم ومن تجاربهم في الحياة".

وأضافت: كما أنني أفيد غيري بتعليمهن القراءة والكتابة، فقد استفدت وتعلمت منهن فن صناعة المنتوجات من الخرز، ونجحت في انتاج لوحات فنية جميلة زينت بها منزلي.

 

من حقنا أن نعيش

ويشاطر الستيني أبو رمضان الرواغ، رزق، الرأي في أن من حق كبار السن الاستمتاع بهذه المرحلة من حياتهم، وعدم قضاء ما تبقى من حياتهم على هامش اهتمامات وسطهم العائلي والمجتمعي.

ويقول الرواغ، الذي بدا مستمتعاً بوقته وهو يستمع لعزف العود ومرتدياً زياً رياضياً أظهره أصغر من عمره بكثير، إنه كان يعاني كثيراً من الفراغ القاتل قبل انضمامه لبيت جدودنا، لكنه استعاد "شبابه" وانتهج نظاماً جديداً لحياته، حيث يحافظ على ممارسة الرياضة يومياً، ويشارك زملاءه في المسابقات الثقافية وغيرها من الأنشطة المختلفة التي ينظموها بأنفسهم أو تلك التي يشرف عليها النادي.

كمال ابو ريالة (62 عاما) انضم للنادي قبل ثلاثة شهور، ووصف تجربته بأنها "أعادت له الروح من جديد"، وقال: في النادي شعرت أنني انسان ولا زال لوجودي معنى في الحياة.

وأضاف: قبل انضماني للنادي انتابني شعور "مرضي" كان يشغل هامشاً كبيراً تفكيري ويسيطر على جميع حواسي، ويؤثر سلباً على علاقتي بالآخرين، وهو أنني استنفذت دوري في الحياة، ولم يعد لي أهمية، ولكن منذ انضمامي للنادي أيقنت أن لكل مرحلة عمرية معنى وأهمية وجمال، ولابد للانسان من الاستمتاع بعمره حتى "آخر نفس".

 

عطاء بلا حدود

ولم تكتفي فاطمة أبو عمارة (72 عاماً)، وهي مديرة مدرسة تقاعدت عن العمل في العام 2006، بأن تكون واحدة من رواد النادي الذي انضمت له قبل خمسة أعوام، بل أصبحت فيما بعد عضو مجلس ادارة في فرع مؤسسة (Help Age) في غزة، وتساعد في توصيل الخدمات المادية لمستحقيها من المسنّات في قطاع غزة.

وتتمتع أبو عمارة بحيوية الشباب، وتتصرف وكأنها لا تزال على رأس عملها كمديرة مدرسة، فتساعد عضوات النادي في التعلم، وتلقي الندوات الدينية والثقافية، وتساعدهن في كثير من المسائل المستعصية، وتقدم لهن النصح لمشاكلهن.

وتبدو أبو عمارة مقبلة على الحياة بكل رغبة، وتقول: الانسان قادر على العطاء والحب والعمل ومساعدة نفسه والآخرين طالما امتلك ارادة الحياة.

 

مشروع فريد

ويقول مدير نادي "بيت جدودنا" يحيى الكيالي إن النادي تأسس في العام 2011 ضمن مشروع تموله مؤسسة (Help Age) ويتم تجديده كل ثمانية إلى 12 شهراً.

ووفقاً للكيالي فقد كان المشروع مخصصاً لفترة لا تتعدى عاماً واحداً، لكن بعد النجاح والاقبال الذي شهده في فترته الأولى، فقد وافقت المؤسسة الداعمة على تمديده كلما انتهت فترته، رغبة منها في مساعدة هذه الفئة من كبار السن، خصوصاً في ظل الأوضاع الانسانية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة في قطاع غزة المحاصر، ولعدم توفر أماكن بديلة أو مشابهة للنادي.

وأوضح الكيالي أن النادي يقدم خدماته للجنسين رجالاً ونساءً من فئة كبار السن، وفي الوقت الحالي تشكل نسبة النساء 60 في المئة في مقابل 40 في المئة رجالاً، ويستفيدون من خدمات صحية وثقافية واجتماعية وترفيهية، ويمارسون نشاطات يومية متنوعة.

ووضعت المؤسسة العالمية لرعاية كبار السن معياراً للمستفيدين من خدمات النادي، حيث صنفت كبار السن بمن تتجاوز أعمارهم سن الخامسة والخمسين، بحسب الكيالي.

وقال إن مشروع النادي يهدف بالأساس إلى تعزيز ثقة هذه الفئة بالنفس، والقدرة على العطاء من جديد، والعمل على اخراج كبار السن من العزلة التي يعانون منها بالعادة بعد سن التقاعد عن العمل، واعادة دمجهم في المجتمع من جديد.

وبفعل ما خلفته الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة على قطاع غزة صيف العام 2014، وآثارها التدميرية على مختلف مناحي الحياة، يقول الكيالي إن النادي اهتم بتركيز نشاطه لخدمة الأحياء والمناطق الأكثر تضرراً من الحرب، سعياً منه لتخفيف الضغوط التي تعرضوا لها سواء من ناحية الآثار النفسية، أو الخسائر التي تكبدوها مادياً ومعنوياً.

وخصص النادي نشاطاً ارشادياً يشرف عليه اختصاصيون في الطب النفسي، هدفه تخليص سكان هذه المناطق والأحياء من الآثار التي علقت في نفوسهم جراء الحرب ومشاهد الموت والدمار، والحديث للكيالي.

 

برامج متنوعة

وعن البرنامج اليومي للملتحقين بالنادي، يقول الكيالي: إن العمل في النادي يمتد لستة أيام أسبوعياً تقسم بالتساوي بين الرجال والنساء، بحيث يبدأ اليوم بالتمارين الرياضية الصباحية، يتبعها فقرة صحية تتضمن ارشادات عامة للحفاظ على الصحة في مثل هذا العمر، وكذلك ارشادات حول نظام التغذية السليم، بما يساعدهم على الحركة والنشاط.

وأضاف: أن البرنامج يشمل كذلك أنشطة ثقافية وتتضمن دورات وندوات للتوعية الدينية بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إضافة إلى تشجيع أعضاء النادي على القراءة بمنحهم كتباً بعناوين ومجالات مختلفة من أجل تنمية ثقافتهم.

ويتضمن البرنامج اليومي أنشطة ترفيهية، ووفقاً للكيالي، فإن النادي يخصص يوماً مفتوحاً من كل أسبوع، وفي هذا اليوم يترك للرجال الفرصة للقيام بما يحلو لهم من أنشطة وهوايات، فيما يوفر للنساء احتياجاتهن لاعداد ما يحلو لهن من الطعام وأصناف الحلويات، وإضافة لذلك يخصص النادي يوماً في الشهر للرحلات الترفيهية الجماعية لزيارة أماكن مختلفة في قطاع غزة.

مواضيع ذات صلة