صفد برس

صفد برس

تربية الحمام في غزة.. حكاية عشق

2016052109215226630095.jpg

2016052109215226630095.jpg

 

غزة-ولاء السعافين

تصوير-ناصر رحمة

يقضي الشاب الثلاثيني محمد الغول ساعات طويلة بصحبة الحمام فوق سطح منزله في مدينة غزة، يحدثها وتحدثه، ويسمعها أهازيج شعبية تراثية يتوارثها الفلسطينيون جيلاً بعد جيل، يجددون بها آمالهم بالعودة إلى بلادهم التي هجروا منها إبان النكبة في العام 1948.

ويعتبر محمد (38 عاماً) أن الحمام صديقه الأول، الذي بصحبته يتناسى أحزانه، ويطلعه على حكاياته وأسراره، ويقول: بعد نحو 20 عاماً من العمل في تربية الحمام، أصبحت أحفظ همساتها ولمساتها، وأشعر وكأنني أفهم اللغة التي تتحدث بها مع بعضها البعض.

 

هواية وتراث وطني

تربية الحمام بالنسبة لمحمد ليست مجرد مهنة لانتاج الزغاليل "فراخ الحمام"، وهي من الوجبات الغذائية الفلسطينية المفضلة لدى الكثيرين، ولكنه يعتبر تربيتها جزءاً من الحفاظ على التراث الوطني الفلسطيني، وتحمل دلالة وطنية، فهي عادة يتوارثها الفلسطينيون عن الآباء والأجداد.

وقال محمد، الذي هاجرت عائلته قسراً من قرية الجورة، إن الآباء والأجداد هاجروا هرباً من المذابح الصهيونية في العام 1948، وبقي الحمام صامداً هناك، وسنعود له يوماً، وربما يكره الاحتلال "الإسرائيلي" الحمام لأنه يرمز "للحب والسلام ولفلسطين".

في الحرب الأخيرة التي شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة، صيف العام 2014، رفض محمد مغادرة منزله –كما فعل كثيرون- وفضل البقاء مع الحمام، خشية عليه من الموت.

ويمتلك محمد أكثر من 50 زوجاً من حمام الزينة، وبعضاً من الحمام المنتج لزغاليل الطعام، ويقول: إن أفضل الأنواع لديه هو "المشرول" ويصل سعره لأكثر من ألف دولار، ويعود ارتفاع ثمنه لصعوبة انتاجه وهو نوع أصيل وذكي، فضلاً عن أنواع أخرى هنجارية وألمانية.

وعندما ينتج الحمام فروخاً جديدة يشعر محمد بفرح يضاهي انجابه مولوداً جديداً، ويقول: أشعر بسعادة غامرة عندما "يتشقق" بيض الحمام عن فروخ جديدة، وكم يتملكني الحزن بنفوق أحد الفروخ وكأنني فقدت انساناً عزيزاً على قلبي.

 

مصدر دخل أساسي

وتشكل تربية الحمام بالنسبة لأمجد حرارة (28 عاماً) مصدر الدخل الأساسي له ولأسرته، فهو متزوج ولديه بنتان، ويعاني من عدم انتظام الرواتب الشهرية، كالالآف غيره من موظفي الحكومة في غزة.

ويقول أمجد إنه مغرم بتربية الحمام منذ طفولته، حيث كان يحرص على مراقبة والدته وتعلم كيفية تعاملها مع الحمام، الذي كانت تربيه في المنزل.

ويجني أمجد ربحاً من وراء تربية الحمام والتجارة فيه ربحاً شهرياً يقدر بحوالي 1500 شيكلاً (الدولار يعادل 3.8 شيكل)، ويقول: لولا تربية الحمام وما أحصله من ربح لما استطعت توفير مستلزمات واحتياجات أسرتي، خصوصاً في ظل معدلات الفقر والبطالة، وعدم انتظام رواتب موظفي غزة، بسبب الانقسام الداخلي والحصار "الإسرائيلي".

ولا يقتني أمجد سوى أنواعاً محددة من الحمام التي يصفها بالأصيلة مثل الزاجل، ومنها نوع أطلق عليه اسم "المحاربون" بسبب شكل رأسه الذي يشبه رأس المحاربين، وسعر الزوج الواحد منه 5 آلاف شيكل.

ولا يرتاد أمجد أسواق الحمام والطيور بغرض البيع والتجارة، ويفضل استقبال زبائنه في منزله، ويقول: من يبحث عن أنواع الحمام النادرة والأصيلة والجيدة يذهب لها حيث كانت، فهذه الأنواع ليس مكانها الأسواق، والتنقل بها هنا وهناك، فهي أنواع عزيزة وغالبية ويجب أن يأتي لها محبوها.

 

حكاية عشق

وبدأت علاقة العشق بين ياسر شخصة (32 عاماً) والحمام منذ 18 عاماً، حتى أنه يعترف بفقدانه بعض علاقاته وصداقاته بسبب ارتباطه بالحمام، وتخصيص غالبية وقته من أجل الحمام وتربيته والاعتتناء به.

ياسر متزوج ولديه طفلان، وهو كأمجد موظف حكومي يعاني من عدم انتظام راتبه الشهري، ويعتمد حالياً بشكل أساسي على ما يجنيه من مال عبر التجارة بالحمام، ويقول إن ربحه الشهري من وراء الحمام يتجاوز في أحيان كثيرة قيمة ما يتقاضاه من راتب حكومي.

ويمتلك ياسر عدداً كبيراً من الحمام بأنواع مختلفة، لكن أهم هذه الأنواع التي يمتلكها هو "الكارير" ويصل سعر الزوج الواحد منه إلى 4 آلاف شيكل.

ويشعر ياسر بقلق حقيقي في الوقت الحالي بسبب بعض الأمراض التي تصيب الحمام، وعدم توفر بعض الأدوية واللقاحات اللازمة في غزة، بفعل الحصار واغلاق المعابر.

وكان مربو الحمام وهواته يعتمدون على أنفاق التهريب أسفل الحدود الفلسطينية المصرية جنوب قطاع غزة، قبل تدميرها، لجلب أنواعاً نادرة من الحمام والأدوية واللقاحات، للتغلب على اغلاق الاحتلال "الإسرائيلي" للمعابر، والحصار الخانق الذي فرضه على القطاع منتصف العام 2007.

وأظهر معرضاً لحمام الزينة افتتحه عدد من هواة تربيتها في مدينة غزة، قبل نحو ثلاثة أسابيع، اهتماماً كبيراً، خصوصاً في أوساط جيل الشباب.

وقال القائمون على المعرض إنهم حرصوا على تنظيمه للعام الثاني على التوالي، وهدفهم تعزيز ثقة مربي حمام الزينة وهواته، وتطوير قدراتهم، تمهيداً لتنظيم مسابقات محلية، أو المشاركة في مسابقات خارجية في حال سنحت الظروف وتحسنت الأوضاع.

الحمام والحصار

وكان الحرص واضحاً على جيل الشباب لمعرفة أنواع الحمام وأسراره، وغالبيتها لم يشاهدها الكثيرون لندرتها، وقال محمد الغول، بينما تحلق حوله عدد من الشباب والمهتمين، إن من أنواع الحمام النادرة التي تتواجد في غزة "الكارير والهزاز الروسي والمشرول والدنش والسيلفر كينج والدوار والماسي والهومر والكوبرا والزاجل"، والكارير ذو الأصول الفارسية هو أغلى هذه الأنواع سعراً، ويمتاز بطول الرقبة وحجمه الكبير، والزوائد اللحمية الكثيفة التي تبدأ من حول العين الى الانف وتكاد أن تغطي المنقار بأكمله.

ويقول محمد إن حمام الدوار هو من أكثر الأنواع انتشاراً لدى هواة الحمام في غزة بغرض التربية والزينة، حيث يمتاز بتعدد ويصل سعر الزوج الواحد منه لـ 1500 شيكلا، بينما حمام السيلفر كينج الذي يبلغ سعره 300 شيكلاً هو الكثر تداولاً لسعره المقبول، ولطعمه الشهي لمحبي لحم الحمام.

ويتطلع مربو الحمام وهواته في غزة إلى دور أكبر من وزارة الزراعة والمؤسسات الأهلية المعنية لجهة دعمهم، وتزويدهم بالأدوية واللقاحات اللازمة، فضلاً عن تطلعهم إلى فتح السلطات المصرية لمعبر رفح البري كي يتمكنوا من تصدير انتاجهم من الحمام إلى مصر والعالم.

وأكد كيل وزارة الزراعة في غزة ابراهيم القدرة حرص الوزارة على دعم مربي الحمام، خصوصاً أولئك الذين يعملون في مجال تربية الأنواع النادرة والثمينة، وتزوديهم باحتياجاتهم البيطرية وصرف الأدوية لهم مجاناً، من أجل مواجهة الأمراض التي تصيب الحمام.

لكن القدرة في نفس الوقت اشتكى من تأثير الحصار الخانق واغلاق المعابر على كل مناحي الحياة في القطاع الساحلي، بما في ذلك عدم توفر كل مستلزمات الطب البيطري والأدوية.

 

 

 

مواضيع ذات صلة