صفد برس

صفد برس

"تل رفح".. الأرض لم تبوح بكل أسرارها بعد!

201601160921261555860.jpg

201601160921261555860.jpg



غزة-أحلام حماد
لا يمكن لزائر موقع "تل رفح" الأثري في مدينة رفح على الحدود الفلسطينية المصرية أقصى جنوب قطاع غزة، إلا أن يتحرر من عبء الحضارة والمدنية والحداثة، ويعود به التاريخ لقرون وحقب زمنية خلت، ففي كل زاوية من التل قصة وحكاية تروي حضارات سكنت أرض فلسطين على مر العصور.
على مساحة 150 دونماً يقع "تل رفح" قريباً من شاطئ البحر، ومطلاً على الشطر المصري من مدينة رفح الحدودية، يكتنز بداخله من الأسرار أكثر بكثير مما باح به أو تم اكتشافه حتى اللحظة، وفي أغلبها اكتشافات تمت عن طريق الصدفة بفعل ضعف الامكانات المادية والبشرية في القطاع الساحلي المحاصر.

كنز أثري وتاريخي
في "تل رفح" تجد أثراً لكل من سكنه أو زاره أو مر به غازياً أرض فلسطين أو ماراً بها، باعتبار مدينة رفح التاريخية تربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، فكانت فلسطين على مر العصور ممراً للغزاة منها وإليها.
ويقول خبراء ومختصون وأكاديميون أن هذا التل يشكل "كنزاً أثرياً" لا زال خصباً، وبحاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب بشكل علمي مدروس، من أجل الوقوف على ما يحتويه في باطنه من كنوز وآثار، تدل على حضارات كثيرة استوطنت أرض فلسطين على مر العصور.
وتؤكد الباحثة في علوم الاثار نبيلة مليحة أن التل يكتنز في باطنه الكثير من الكنوز التي تعكس قيماً تاريخية مهمة.
هناك كنوز من المعالم الحجرية لجدران من الصخر وبقايا الطوب اللبن التي استخدمت في العصر اليوناني والروماني للبناء بالإضافة إلى قطع الأواني الفخارية على كامل سطح هذا التل الذي يعتقد أنه كان "أبرشية" دينية كبيرة زمن وجود مدينة "رافيا" اليونانية القديمة، بحسب مليحة.

آخر الاكتشافات
عن طريق الصدفة، وبينما كان مواطناً يحفر لشبكة في باطن الأرض لشبكة تمديدات صرف صحي على مقربة من التل، عثر على كنز أثري ثمين، لتتابع وزارة السياحة والآثار أعمال البحث التنقيب وتنجح في اكتشاف مخزون من القطع الأثرية والعملات النقدية.
وأوضحت رئيس قسم الاثار في وزارة السياحة والآثار في غزة هيام البيطار إنه تم العثور على 1300 قطعة أثرية من العملات النقدية المصنوعة من الفضة الخالصة، بأحجام متفاوتة كبيرة وصغيرة.
وعن طبيعة هذه القطع النقدية الأثرية وأهميتها وتاريخها، قالت البيطار إنها تعود لعهد الاسكندر المقدوني وهى بحالة رائعة وتسمى بـ"الدراخمة"، ويعود تاريخها إلى سنة 330 قبل الميلاد، وتحمل على أحد وجهيها نقشاً بارزاً لطائر "البومة" الذي يعبر في الثقافة اليونانية عن الحكمة والقوة، وعلى الوجه الآخر للعملة يوجد رسم بارز للاسكندر المقدوني، ووجه "إله أثينا" وبعض الأباطرة، بأشكال متعددة، حيث تختلف أشكال الوجوه ويغطيها الخوذة المزينة بأوراق إكليل الغار ومكتوب عليها (aoe) باللغة اللاتينية ومعناها أثينا.
وبالاضافة إلى هذه القطع الاثرية من العملات النقدية، تم اكتشاف كمية كبيرة من القطع الفخارية القديمة وأدوات منزلية و"هاون" يستخدم لطحن الحبوب مصنوع من مادة "البازلت الأسود" يعود تاريخه إلى العصر الروماني، وبعض الأسوار والأقواس التي تعود للعام 320 قبل الميلاد، وقطع صخرية كغطاء للتوابيت وحفظ الموتى، ووجدت عليها نقوش صلبان استخدمت في العصر البيزنطي ما يوثق مراحل متعددة من تاريخ المدينة الحدودية التي دلت فيها الحفريات أيضا على اكتشافات تعود للعصور الإسلامية، ما يعكس تاريخاً عريقاً للمدينة الحدودية على مر العصور والأزمان، والحديث للبيطار.
وقالت البيطار إن من بين أهم المكتشفات في "تل رفح" جرة متوسطة الحجم استطاع الخبراء ترميمها واعادة جمع أجزائها المحطمة، ليظهر عليها رسم لطائر "البجع" وتعود هذه الجرة للعصر الكنعاني، وهي من بين الأدوات التي كان يستخدمها الانسان الفلسطيني الأول في حياته اليومية.
ومن بين المكتشفات أيضاً أدوات حجرية تعود للعصر الحديدي، وأدوات وجدار من الحجر الرملي يعود للعصر البيزنطي، وبلا شك هناك الكثير من الكنوز المخفية التي تشير إلى حضارات أخرى سكنت الموقع، وأرض فلسطين عموماً، ولكنها بحاجة إلى مزيد من عمليات التنقيب، وفقاً للبيطار.

تأثيرات سلبية للحصار والانقسام
وعن عمليات اكتشاف الآثار بطريق الصدفة، أو من خلال مواطنين، يرجع المؤرخ والمختص في علوم الآثار الدكتور سليم المبيض ذلك إلى غياب الامكانات والكوادر البشرية القادرة على القيام بعمليات تنقيب وبحث علمية ودقيقة.
ويعتقد المبيض كما الكثيرين أن موقع "تل رفح" لم يبوح بكل أسراره بعد، ورغم عمليات التنقيب البسيطة والبدائية إلا أنه بالامكان العثور باستمرار على آثار جديدة، واكتشاف كنوز غائرة في عمق المكان، غير أنه عبر عن حزنه لعدم ايلاء الجانب الفلسطيني الرسمي اهتماماً بمثل هذا الموقع، الأمر الذي يعيق ويؤخر الاكتشافات الأثرية والتاريخية.
ويرى المبيض أن وقوع التل على الحدود يلعب دور معرقل ويؤخر من الاكتشافات الكاملة لكل ما يحتويه من كنوز أثرية، ما يستدعي أن يكون هناك تعاوناً فلسطينياً مصرياً في هذا الجانب، كون النصف الآخر من التل يقع في الجانب المصري من مدينة رفح.
وتقول البيطار إن عمليات الحفر والتنقيب التي بدأت في العام 2009 توقف مع تشكيل حكومة التوافق الوطني الفلسطيني في تموز (يوليو) من العام ، بسبب امتناع الحكومة عن ايفاد عمال كان يوظفهم مكتب العمل في مدينة رفح بصفة مؤقتة على بند البطالة وينتدبهم للعمل في موقع "تل رفح"، ومساعدة طلبة أقسام التاريخ والآثار في الجامعات المحلية في عمليات البحث والتنقيب، الأمر الذي عرقل العمل وتسبب في توقفه.
وجراء هذا التوقف منذ أكثر من عام، أصابت الموقع كثير من الأضرار وكست أرضيته الحشائش الضارة، وأخفت مساحة واسعة من معالمه التاريخية.
وأكدت البيطار أن الحصار "الإسرائيلي" الخانق المضروب على قطاع غزة منذ ثمانية أعوام، واغلاق معبر رفح البري مع مصر، إلى جانب الانقسام الداخلي، كان لهما أثر بالغ السوء على عمليات البحث والتنقيب عن الآثار سواء في موقع "تل رفح" أو غيره من المواقع في قطاع غزة.
وكانت وزارة السياحة والآثار تستعين ببعثات أجنبية من الخبراء والباحثين في علم التنقيب، تأتي إلى قطاع غزة بكامل معداتها المتطورة، إلا أن الحصار والصعوبات الكبيرة التي تواجهها على المعابر أعاقت استمرار وصولها إلى القطاع، بحسب البيطار.
وقالت البيطار إن تاريخنا وحضارتنا من الأهمية بمكان ما تستوجب أن تعمل كل الأطراف على تحييدها عن الصراعات والمناكفات السياسية، الأمر الذي يستدعي من حكومة التوافق الوطني أن تولي اهتماماً ملائماً وتوفر الدعم المالي من أجل ضمان عمليات البحث والتنقيب عن الكنوز الأثرية، التي تشكل أحد أوجه النضال المهمة ضد الاحتلال "الإسرائيلي" الذي يسعى ليل نهار من أجل تزييف الواقع والوقائع والتاريخ، بغية اثبات نسبه لهذه الأرض.

بُعد تاريخي
وقال المبيض إن أول عملية اكتشاف لآثار في قطاع غزة كانت في نهاية حقبة العهد العثماني، وكانت تلك المكتشفات الأثرية عبارة عن نقوش "تحتمس الثالث" التي تعود للقرب الخامس عشر قبل الميلاد، وعهوده مع الكنعانيين، وتوابيت مصنوعة من الرصاص عليها نقوش آرامية، وقد تم اكتشافها في شارع عمر المختار الرئيسي وسط مدينة غزة.
وقد تم نقل هذه المكتشفات الأثرية المهمة إلى تركيا (الحالية) التي كانت عاصمة الدولة العثمانية في ذلك الوقت، ولا تزال تعرض في المتاحف التركية حتى الوقت الحالي، وفقاً للمبيض.
وقال لم تكن عمليات نقل هذه المكتشفات الأثرية الخطر الوحيد الذي هدد الكنوز الفلسطينية، ولكن مع قيام "إسرائيل" على أنقاض فلسطين التاريخية إبان النكبة في العام 1948، بدأ مرحلة أشد خطورة، حيث عملت "إسرائيل" على صعيدين، أولهما سرقة الآثار من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وثانيها تزييف الحقائق والتاريخ ونسب كثير من المكتشفات لنفسها، وكأنها لم تكتف بسرقة الأرض لتسرق معها التاريخ الذي يشكل قاعدة المستقبل لأي شعب وأي حضارة.
لكن المبيض يعتقد أن كل محاولات "إسرائيل" لطمس الهوية والتاريخ الفلسطيني، الممتد منذ العصر الكنعاني على أرض فلسطين التاريخية، باءت بالفشل، ولم تنجح رغم ما تمتلكه من امكانيات وآلات إعلامية عملاقة في صناعة تاريخ لها في هذه المنطقة، التي لم تبح بعد بكل ما تكتنزه في باطنها، ولعل غزة الصغيرة قابعة على بحر من الكنوز الأثرية التي خلفتها الحضارات والجيوش الغازية على مر العصور.

 

مواضيع ذات صلة