صفد برس

صفد برس

غزة..كاراتيه للمكفوفين

201601160921351560999.jpg

201601160921351560999.jpg

 

 

غزة-ولاء السعافين

تصوير-ناصر رحمة

"لا مستحيل مع العزيمة والإرادة" هذا ما نجح ثمانية أطفال من المكفوفين في قطاع غزة في تحقيقه واقعاً في حياتهم، باختيارهم ممارسة رياضة "الكاراتيه"، وهي واحدة من ألعاب الدفاع عن النفس، التي تحتاج إلى مواصفات جسدية ونفسية خاصة ودقيقة.

لكن هؤلاء الأطفال الثمانية نجحوا بفضل ما يمتلكون من إرادة من التغلب على "اعاقتهم" وفقدانهم نعمة البصر، فأبدعوا وتحرروا من "سجن" الاعاقة البصرية، بالاعتماد على حاسة السمع.

 

كاراتيه بالسمع

ينصت الأطفال الثمانية، الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والرابعة عشرة عاماً، باهتمام كبير للكابتن حسن الراعي مدرب المنتخب الفلسطيني للكاراتيه ومدير أكاديمية "المشتل" للفنون القتالية في "نادي المشتل الرياضي في مدينة غزة، وينفذون ما يقول بدقة أثارت اعجاب المدرب والجمهور الذي يحضر للنادي خصيصاً لمتابعة الفوج الأول من ممارسي رياضة الكاراتيه من فئة المكفوفين.

في مشهد "بهيج" يجعل كل من يتابعه يشعر بالفخر والاحترام لمثل هؤلاء الأطفال، يصطف الأطفال الثمانية في وضع الاستعداد، وهم يرتدون "بدلة الكاراتيه البيضاء" ويحيط أوساطهم "الحزام الأصفر"، الذي يشير إلى اجتياز المتدرب المرحلة الأولى متمثلة بالحزام الأبيض.

ويقول الراعي إن الحزام بألوانه المختلفة يؤشر إلى المرحلة التي وصل إليها المتدرب خلال تدرجه في لعبة الكاراتيه التي تبدأ من المستوى المبتدئ المعروف بمصطلح "كيو" وحتى المتقدم ويرمز له بالمصطلح "دان" ويحمل من يصل له الحزام الأسود.

ويشعر الراعي بفخر شديد كونه المدرب الأول الذي يشرف على تدريب فوج من المتدربين المكفوفين، ويقول: إن هذا الفوج من الأطفال المتدربين حقق نجاحاً باهراً بتخرجه من المرحلة الأول والوصول للحزام الأصفر بعد شهرين فقط من التدريب.

ويعتمد الراعي في تدريبه لهذا الفوج من المكفوفين على الادراك الحسي، ويقول: إن الأطفال الثمانية يخضعون للتدريب وفق برنامج دقيق لمدة ساعتين يومياً، ويتم خلالها الاعتماد على اختيار واستخدام الألفاظ والحركات التي يستطيعون استيعابها مع مراعاة الاعاقة البصرية التي يعانون منها.

 

رشاقة وثقة بالنفس

الطفل مؤمن البيطار (14 عاماً)، هو أكبر أفراد المجموعة عمراً، وقد حقق نجاحاً ملموساً في تنفيذ كل ما يطلبه منه المدرب خلال فترة التدريب الأولى التي تجاوز فيها الحزام الأبيض.

وفي الصالة الرياضية، استعرض مؤمن ما اكتسبه من مهارة بتنفيذه قفزة في الهواء ونزوله بسلام على بساط جلدي متجاوزاً عدداً من زملائه.

وقال مازحاً، عقب القفزة، "أصبحت ألعب الكاراتيه والجمباز، كم أشعر بالسعادة أنني قهرت الاعاقة ولم استسلم لفقدان البصر".

ويقر مؤمن أنه عانى كثيراً في بداية ممارسة هذه اللعبة، لكنه مع الاصرار والعزيمة والاستماع جيداً لتوجيهات وتعليمات المدرب الراعي، أصبح يشعر بالتطور يوماً بعد يوم.

ويبرر مؤمن اختياره للعبة الكاراتيه دوناً عن باقي الألعاب الأخرى رغم ما يعانيه من اعاقة بصرية، بقوله: إن هذا اللعبة تتطلب التركيز، وتمنح ممارسها القوة والعزيمة وتزيد من ثقته بنفسه، وهو ما كنت احتاجه لتجاوز عقدة الاعاقة، وقد نجحت بفضل الله وبتشجيع من والدي، وثم بتعليمات المدرب الذي لا يبخل علينا بالصبر والتعليم في اكتساب كثير من الصفات والمهارات التي كنت افتقدها قبل التحاقها بالاكاديمية. 

 

تركيز ورغبة في التعلم

ويضع الطفل محمود حيدر (11 عاماً) كل تركيزه في الاستماع لما يطلبه منه المدرب، قبل تنفيذه ضربة بقبضة اليد لـ "كيس" التدريب، الهدف منها تدريبه على التركيز والقوة والاتقان في الوقت نفسه.

ويقول حيدر إنه عانى بعض الشئ قبل أن يتمكن من اتقان ما يطلبه منه المدرب، بالاعتماد فقط على الاستماع للتعليمات، ومن ثم التركيز لتحويل التعليمات إلى حركات جسدية، ومنها كيفية تفادي ضربة من الخصم من خلال حفظ الاتجاه وتحديد مصدر الصوت.

ويشعر حيدر بكثير من الفخر لنجاحه في اجتياز المرحلة الأولى من التدريب، ولكلمات الاشادة التي يسمعها من المدرب والجمهور والمقربين منه، خصوصاً أن الكثيرين كانوا لا يتوقعون أن يستمر في ممارسة هذه اللعبة العنيفة والنجاح فيها بسبب اعاقته البصرية.

 

تقريغ الضغوط النفسية

وعلى حداثة عمره الذي لم يتجاوز الثامنة، يوجه الطفل يوسف الشريف ضربة بقدمه وبكل قوة لـ "كيس" التمرين، وكأنه يواجه خصماً عدواً.

وبينما كان يوسف يقف على أطراف أصابع قدميه بكل رشاقة، أكد أنه أصبح ينفذ كثير من حركات الكاراتيه وبعض الحركات الهوائية كالقفز بكل رشاقة واتقان بفضل حبه للرياضة والتزامه بالتدريب واستماعه جيداً لكل كلمة يقولها المدرب خلال الحصة التدريبية.

وقال يوسف إنه وزملاؤه السبعة يشعرون بالفخر كونهم أول فوج من المكفوفين يحقق هذا الانجاز باجتياز المرحلة الأولى من التدريب في لعبة الكاراتيه.

ويبدي يوسف اصراراً كبيراً على مواصلة التدرب والتدرج في المراحل حتى الوصول إلى أعلى مستوى من هذه اللعبة القتالية، ويقول: بعد ممارستي للكاراتيه شعرت أنها اللعبة التي كنت افتقدها في حياتي، وبسببها أصبحت قادراً على التعامل بجرأة مع الآخرين، وتفريغ الضغوط النفسية التي كنت أعاني منها بسبب احساسي بالعجز جراء الاعاقة البصرية.

 

ضربة تثير الضحك

الطفل محمد مهاني كان على درجة من الحماس والاندفاع بفضل تشجيع الجمهور ومنتسبي الاكاديمية الذين حضروا التمرين، فوجه ضربة بقبضة يده لأحد زملائه قبل أن يستمع إلى أمر المدرب وتوجيهاته، لكن هذه الضربة لم تثير استياء زميله، بل أثارت أجواء من البهجة في أرجاء الصالة الرياضية.

الطفل مهاني في العاشرة من عمره، ولطالما كان يحلم بممارسة الرياضة، لكنه لم يكن يضع في اختياراته لعبة الكاراتية لما تتطلبه من مواصفات خاصة، لكن يشعر بسعادة كبيرة أن هذا المستحيل أصبح واقعاً بعد شهرين من التدريب.

ممارسة هذه اللعبة جعلت مهاني وزملاءه يشعرون بالثقة، خصوصاً أنهم اكتسبوا حب واحترام كل من يشاهدهم خلال التمرين، حتى كبرت الأحلام لديهم، وأصبحوا يحلمون بأن يشكلوا فريقاً من المكفوفين يمثل فلسطين في المحافل الرياضة الاقليمية والدولية في لبة الكاراتيه، بل ويطمحون بالتتويج وحصد البطولات.

 

فريق وطني للمكفوفين

ويدافع المدرب الراعي عن حق كل ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة في ممارسة أي نوع من الرياضة، طالما أنهم يمتلكون العزيمة والاصرار والرغبة الصادقة في التعلم وتجاوز ما يعانون من اعاقة.

ويشعر الراعي بكثير من الفخر كونه أول مدرب لهذا الفوج من المكفوفين الذي يخوض تجربة ممارسة لعبة الكاراتيه، وهي التجربة الأولى ليس على مستوى فلسطين فحسب، وإنما على مستوى منطقة الشرق الأوسط.

وحول بداية فكرة تدريب مكفوفين في هذه الرياضة الجسدية العنيفة، يقول الراعي إن نادي المشتل الرياضي قرر المبادرة في هذا المجال، واخترنا بالتعاون مع مركز النور لرعاية المكفوفين التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في غزة، ثمانية أطفال بأعمار متفاوتة، يشكلون الفوج الأول، وقد حققوا نجاحاً فاق كل التوقعات.

وبنبرة عكست ما يشعر به من فخر واعجاب بأداء الأطفال الثمانية، أكد الراعي أن اصرارهم وتحملهم مشاق التدريب من أجل النجاح جعله لا يبخل عليهم بالصبر وبذل كل جهد من أجل مساعدتهم على النجاح، حتى استطاعوا انجاز المرحلة الأولى في وقت أقل مما يحتاجه الأصحاء من أقرانهم.

وبفضل ما حققه هذا الفوج من نجاح، يعتزم الراعي ونادي المشتل الرياضي تنظيم دورات مجانية لتدريب أفواج أخرى من المكفوفين ممن يمتلكون الرغبة والارادة، وذلك بهدف المساهمة في خدمة هذه الشريحة المجتمعية التي تعاني التهميش، وتعاني من عدم القدرة على الاندماج في المجتمع.

وشرح الراعي اعتماده على برنامج الادراك الحسي وتوظيف حاستي السمع واللمس في تدريب المكفوفين للكاراتيه، وقال: استخدمت في البداية أساليب التفريغ النفسي قبل البدء في برنامج التدريب، ومن خلاله اكتشفت أن الأطفال الثمانية يعانون من ضغوط وكبت نفسي بسبب الاعاقة البصرية، فركزت على عنصر الثقة بالنفس، وأنه باستطاعتهم النجاح، وعززت ذلك في نفوسهم.

وأضاف: مع مرور الأيام لاحظت أنهم بدأوا يثقون بقدراتهم وأنه بامكانهم التغلب على الاعاقة وتحقيق المستحيل، وهذا ما حدث فعلاً، فقد اجتازوا فترة التدريب في الحزام الأبيض وهي المرحلة الأولى من التدريب في عالم الكاراتيه خلال شهرين فقط، في حين تحتاج هذه المرحلة لدى الأصحاء حوالي ثلاثة شهور.

ويحلم الراعي كما باقي منتسبي فوج المكفوفين في تكوين فريق وطني فلسطيني يمثل فلسطين في البطولات الخارجية.

مواضيع ذات صلة