صفد برس

صفد برس

نيرمين الدمياطي.. أول مصممة أزياء في غزة المحاصرة

2016011609214033313164.jpg

2016011609214033313164.jpg

غزة-ولاء السعافين
تصوير- ناصر رحمة


في طفولتها المبكرة، وعندما كانت الفتيات في عمرها تلهو بالعرائس البلاستيكية، كانت لعبة نيرمين الدمياطي المفضلة مقص وقطع من القماش، تعمل علىتشكيلها وحياكتها بأشكال مختلفة، وكأنها كانت تؤسس لما وصلت إليه اليوم كأول "مصممة أزياء" فلسطينية.

وتختزن نيرمين (28 عاماً) في ذاكرتها البعيدة الكثير من الذكريات الجميلة، وغالباً ما تضحك مع نفسها، وتلفت انتباه من يعملن معها في مشغلها الذي أسسته في مدينة غزة، عندما تتذكر كيف كانت "تخرب" قطعاً من الملابس الصالحة في محاولاتها الطفولية الأولى لتصميم ما يدور في رأسها آنذاك.

بداية المشوار
كبرت نيرمين الطفلة، والتحقت بالجامعة وتخرجت منها حاملة شهادة البكالوريس في "التاريخ والآثار"، ومن بعدها نالت شهادة الدبلوم في اللغة الانجليزية، لكن السنين لم تنسيها حلمها القديم بأن تصبح "مصممة أزياء" تتجاوز حدود المحلية إلى العالمية.
التحقت نيرمين بدورة مكثفة لدراسة تصميم الأزياء كانت بمثابة "دبلوم" لمدة عام كامل، نظمها اتحاد الكنائس في غزة، وقد وجدت نفسها في هذه الدراسة كما لم تجدها في دراستها الجامعية، وتقول: شعرت منذ اليوم الأول لي في هذه الدورة أنني على أخطو أول خطوة نحو تحقيق حلمي الكبير.
وبانهائها هذه الدورة، قبل نحو ثلاثة أعوام، بدأت عملها من داخل منزلها لعدم توفر الامكانيات في ذلك الوقت لافتتاح مشغل خاص بها، وكانت البداية في تصميم أزياء لصديقاتها وأقاربها وجيرانها، وشيئاً فشيئاً ذاع صيتها وانتشر في الوسط المحيط.
وبمرور الأيام كان طموح نيرمين يكبر في داخلها، وتشعر أنها أقرب إلى تحقيق الحلم، وحرصاً منها على النجاح، عمدت إلى اعداد دراسة جدوى لمشروع مشغل لتصميم الأزياء في غزة، وهو الأول من نوعه، خصوصاً أن التي تديره فتاة عشرينية شابة.
لكن بداية معرفة الناس بها، وتحقيقها الشهرة على مستوى قطاع غزة، كانت عبر المعرض الأول للأزياء الذي نظمته في شهر كانون الثاني (يناير) مطلع العام الجاري، حيث لاقت تصاميمها استحساناً من قبل رواد المعرض، كونها فريدة من حيث الصناعة المحلية وليست أزياء جاهزة ومستوردة.

أزياء المحجبات
اختارت نيرمين لمشغلها اسم (Voile Moda)، وهو مصطلح باللغة الفرنسية يعني الحجاب، وعن سبب هذه التسمية تقول: كنت شديدة الحرص على الاسم وتميزه، كي يبقى خالداً وراسخاً في الأذهان، واعتبر هذا الاسم مناسباً كون غالبية الفتيات في غزة محجبات وفي نفس الوقت يتطلعن إلى مسايرة الموضة العالمية من حيث التصميم والألوان، وكلي أمل أن يصبح هذا الاسم يوماً ما ماركة معتمدة لتصاميمي في عالم الأزياء، مثل ديور وتشانل وغيرها من الماركات العالمية المهمة والشهيرة.
وبالنسبة لنيرمين لا يعني اهتمامها بأزياء المحجبات، أنها تغفل باقي الأزياء التي تناسب وتراعي باقي الأذواق، وبها تأمل أن تنطلق بأزيائها نحو العالم.
وتقول نيرمين: إن الأزياء الخاصة بالمحجبات في قطاع غزة المعروف عنه تدينه وتمسكه بالعادات والتقاليد، لا تناسب الجميع، ومن هناك راودتني فكرة تصميم أزياء للمحجبات تراعي المجتمع وعاداته، وفي نفس الوقت تساير الموضة من حيث التصميم والألوان، وكذلك تناسب مختلف المناسبات.
وتحرص نيرمين في تصميم أزيائها على المزج بين المعاصرة والحداثة والعادات والتقاليد المجتمعية، وتضرب المثل في أن المحجبات يعانين كثيراً في العثور على ما يناسب حاجتهن في السوق من أزياء خاصة بالسهرات والمناسبات كالأفراح، ولذلك فإنها سعت إلى سد هذه الخانة من خلال توفير مثل هذه الأزياء في مشغلها.
ولم تكتف نيرمين بمراعاة الموضة من حيث التصميم في أزياء المحجبات، بل عمدت إلى تغيير الصورة السائدة لألوان الأزياء في قطاع غزة، خصوصاً اللون الأسود السائد في أوساط النساء الغزيات، ونجحت في اقناع زبائنها بالمزج بين الألوان بطريقة تراعي الموضة ولا تتناقض مع الحشمة والعادات والتقاليد، وفي الوقت نفسه يراعي اختلاف شكل وحجم أجساد النساء وأعمارهن، فراجت فكرتها ولاقت استحساناً وقبولاً.

التسويق والحصار
وتبدي نيرمين رضا إلى حد كبير عن النجاح والشهرة الذي وصلت إليه حتى الان، ولكنها تقر أنه لولا الحصار والأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية الناجمة عنه، لكان النجاح أكبر وعلى نطاق اوسع.
وتراعي نيرمين أن تكون أسعارها مناسبة لجميع شرائح المجتمع، في ظل معدلات غير مسبوقة في الفقر والبطالة، هدفها في ذلك أن تصل أزياؤها إلى أوسع شريحة ممكنة من النساء في قطاع غزة، إلى حين توفر الفرصة للتسويق والانتشار الخارجي.
ويستهدف مشغل نيرمين الذي أقامته بالقرب من مجمع الجامعات في مدينة غزة، طالبات الجامعة، وهن الأكثر حرصاً على متابعة الموضة بأزيائها وتصاميمها وألوانها.
وسعياً منها إلى تشجيع الفتيات وطالبات الجامعة على أزيائها، وحرصاً منها على توسع قاعدة زبائنها، تعمل نيرمين على تصميم أزياء خاصة بكل فتاة، بحيث تشعر الفتاة نفسها متفردة في لبسها ومتميزة، بمعنى أنها لا تكرر ذات التصميم كثيراً، وتحاول في كل مرة أن تدخل عليه جديداً.
وتوظف نيرمين مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً "الفيسبوك" للتعريف بنفسها وبمشغلها وما تنتجه من أزياء وتصاميم جديدة، ادراكاً منها أن هذه الوسائل هي الأسرع وصولاً إلى شريحة الشابات التي تستهدفهن، فضلاً عن استخدامها أسلوب توزيع مطبوعات مصورة للأزياء في الجامعات وأماكن تجمعات النساء، غير أنها تواجه عقبة كبيرة في ايجاد فتيات يتقبلن فكرة عرض الأزياء وتصويرها بهدف الدعاية والترويج، فهناك فتيات استحسن الفكرة ولكنهن رفض تطبيقها بسبب خشيتهن من نظرة المجتمع لهن، أو لرفض ذويهن واعتبارها منافية لآداب المجتمع وعاداته وتقاليده.

عارضات أزياء
ولأنها تؤمن أن الطموح ليس له حدود، وأن النجاح بحاجة إلى متابعة واستمرارية في تعلم كل ما هو جديد، تتابع نيرمين بشكل مستمر القنوات التليفزيونية الفضائية التي تبث عروض الأزياء العربية والعالمية، وتبحث عن المقاطع المصورة على شبكة الانترنت من أجل تطوير موهبتها ومواكبة التطور الدائم في عالم الموضة والأزياء.
وتقول نيرمين إنها تواصلت مع معاهد مصرية والتحقت بدورات تدريبية في التصميم والأزياء والموضة (تعلم عن بعد) عن طريق شبكة الانترنت، بعدما حال الحصار واغلاق معبر رفح البري دون تمكنها من السفر والالتحاق بهذه الدورات.
وتأمل نيرمين، التي تستاء من اطلاق وصف "خياطة" عليها، أن يتطور تفكير المجتمع ويعي أن تصميم الأزياء مهنة مهمة تختلف كلياً عن مهنة الخياطة التقليدية، فالخياطة تنفذ ما يطلب منها من دون التدخل أو ابداء الرأي، ولكن تصميم الأزياء يعتمد على الفكر والابداع، ومصممة الأزياء تعمل على مراعاة أن تناسب أزيائها العمر ولون البشرة وشكل الجسد، وتختار لذلك التصميم والقماش والألوان المناسبة.
وتقول: عندما يصل المجتمع إلى هذه الدرجة من الوعي والادراك بأهمية ما نقوم به من عمل، لحظتها سأفكر في تحقيق حلمي باقامة عرض أزياء في غزة، لتحقيق غايتين، الأولى: تحقيق ذاتي كخطوة أولى نحو الانطلاق للمشاركة في عروض أزياء عربية وعالمية، والثانية: ارسال رسالة للعالم أن غزة تعشق الحياة وتنجب مبدعين، وناسها يتطلعون للعيش بحرية وكرامة كما باقي شعوب الكون وليس كما الصورة الزائفة التي يروجها الاحتلال عنها وعن سكانها الطيبين.

معوقات
يشكل الحصار "الإسرائيلي" الخانق المضروب على القطاع الساحلي الصغير منذ ثمانية أعوام، العقبة الرئيسية التي تعترض طريق نيرمين للوصول إلى غايتها من الشهرة والنجاح محلياً وخارجياً، كما الكثيرين من أقرانها من شباب وشابات غزة المبدعين.
وتقول نيرمين إن الحصار واغلاق المعابر ضيع عليها الكثير من الفرص للسفر والمشاركة في عروض أزياء عربية، والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه دور الأزياء، وتطور التصميم والألوان، فضلاً عن عدم قدرتها على توفير أدوات ومعدات وقماش وحقائب وأحذية بألوان وأنواع غير متوفرة في الأسواق المحلية.
وتضيف أنها تأمل لو تمكنت من السفر للضفة الغربية من أجل افتتاح فرع لمشغلها هناك، حيث الانفتاح أكبر والسوق أوسع بحكم المساحة الجغرافية والكثافة السكانية، ولكن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تحول دون سفر الشباب عبر معبر بيت حانون "إيرز" الخاضع لسيطرتها العسكرية والأمنية.

 

مواضيع ذات صلة