صفد برس

صفد برس

حدائق الحيوان في غزة.. حيوانات مفترسة على الجدران

2016011609214719407028.jpg

2016011609214719407028.jpg



غزة-محمد عدوان
تصوير- ناصر رحمة


عندما ترى شبل الأسد الصغير في وسط مجموعة من الجراء (صغار الكلاب) في حديقة الحيوان، يقاسمها حليب أمها في الرضاعة، فلا عجب فأنت في غزة، ولا عجب أيضا إذا مررت من أمام طفل يقف مذهولاً ينظر لذلك النّمر من الرسم والألوان على حائط الحديقة، فهذا لا يحدث إلا في غزة المحاصرة، المحرومة من أشياء كثيرة، حتى استيراد الحيوانات.
حدائق الحيوان في غزة من طراز خاص وفريدة من نوعها على مستوى العالم أجمع، فلا الشبل من ذلك الأسد، ولا الحمار وحشيّ، ولا النمر غير صورة على حائط في طرف الحديقة.

أسد يرضع من كلب
لم تكتمل فرحة العاملين في حديقة حيوان "نماء" الترفيهية، شمال قطاع غزة، بميلاد "ثلاثة أشبال" دفعة واحدة، في حادثة هي الأولى من نوعها في الحديقة، فبعد يومين فقط من ميلادهم، توفي اثنان، فيما بقى الثالث يكابد مشقة الحياة وحيداً.
ويقول المدير التنفيذي لحديثة "نماء" عبد الهادي حمودة، إنّ إحدى اللبؤات في الحديقة، وضعت ثلاثة أشبال دفعة واحدة لأول مرة، إذ تضع لبؤات الحديقة في العادة شبلاً أو اثنين على الأكثر.
وأضاف: "فوجئنا بأن لبؤة من اللبؤات الأربع في الحديقة وضعت في أول ميلاد لها ثلاثة أشبال، لكن للأسف توفي اثنان، وظل ثالث على قيد الحياة".
"هذه المرة الأولى التي تضع فيها اللبؤة أشبالها، فقد كانت خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة حاملاً، وفقدت جنينها، ومع ميلادها الجديد، امتنعت عن أولادها والاقتراب منهم وإرضاعهم ما اضطرنا إلى تجربة وضع الشبل الصغير برفقة كلب مرضعة لينجو بحياته، والحمد لله الشبل الثالث قد فطم الآن ويستطيع الأكل"، والحديث لحمودة.
وعن هذه التجربة الفريدة بارضاع شبل أسد من كلب، يقول الطبيب البيطري المشرف على الحديقة رمضان شامية، إلى الجانب العامل النفسي للبؤة، وتأثرها بالقصف "الإسرائيلي" خلال الحرب الأخيرة صيف العام الماضي، فإن مناخ وبيئة قطاع غزة، لا تسمح للأشبال بالنمو وأنه رغم نجاة الشبل الثالث الذي تم إرضاعه من الكلب المرضعة إلا أن بنيته ضعيفة ولن يكون كباقي الأسود عندما يكبر.
وأضاف: "حاولنا إيجاد الحلول ولم تنجح محاولات إرضاعه من جميع أنواع حليب الأطفال العادية، وحاولت شخصيا إيجاد تركيبة من الحليب الغني بالبروتين من حليب السرسوب وهو ما تنتجه البقرة في الأيام الأولى من ولادتها مع بعض المواد المعقمة ولكن للأسف لم نجد المواد اللازمة متاحة في القطاع بسبب الحصار المفروض منذ ثماني سنوات".

نمر على جدار
وكان حمودة اشترى لأول مرة أسد ولبؤة عن طريق أنفاق التهريب أسفل الحدود بين مصر وقطاع غزة، ويقول: لا أستطيع نسيان فرحة زوار الحديقة بهذا الحيوان المفترس، ولا وجوه الأطفال عندما كانت تختلط تعابير الفرح مع الخوف حين يسمعون صوت زئير الأسد لأول مرة على ارض الواقع.
واذا كان حمودة نجح في اقتناء أسد في حديقته، فإنه وغيره من أصحاب حدائق الحيوانات الصغيرة والمتواضعة في القطاع الساحلي المحاصر، يفقتدون كثير من الحيوانات الأخرى، خصوصاً المفترسة منها، والتي لم يشاهدها غالبية الغزيين على أرضهم، سوى أولئك الذين خاضوا تجربة السفر خارج حدود القطاع.
أم محمد نحول (36 عاما) تتجول مع أبنائها محمد وريماس في الحديقة ليقف محمد مذهولاً أمام صورة النمر التي رسمت بحجم نمر حقيقي على حائط وسط أقفاص الحيوانات ينظر ويتساءل: "لماذا هذا النمر يبدو حزيناً ولا يتحرك يا أمي؟"، تحاول الأم استغلال وجود مدير الحديقة بالقرب منها وتسأله عن سبب وجود النمر في رسمٍ على حائط ليجيبها حمودة: " عجزنا عن شراء النمر بسبب تكلفته العالية وصعوبة إدخاله إلى القطاع واعتقدنا أنّ بهذا الرسم نستطيع تعويض عدم وجوده ولو بالنسبة للأطفال".

حمار وحشي مزيف
وحول الحمار الوحشي، يبتسم حمودة وهو يتذكر صديقه صاحب حديقة حيوانات "مرح لاند" وقصته الشهيرة حين قام بصبغ حمار أبيض عادي بخطوط سوداء كي يبدو حماراً وحشياً، وجذب إليه أنظار العالم، ولكن كل ذلك الاهتمام لم يساعد صديقه على الاحتفاظ بحديقته والتي أغلقت بعد شهور قليلة بسبب خسائر كبيرة، شارحا أن فتح حديقة حيوانات يعني مصاريف مرتفعة من عناية ونظافة ورواتب عمال وطعام للحيوانات، وهذا أكثر بكثير مما تدخله التذاكر التي هي أقل من دولار أميركي واحد للشخص.

حيوانات بلا روح
الصقر والطاووس وعدة أنواع من القرود وحيوان الّلاما وغزال الريم والتماسيح والقطط والذئاب والببغاء والنمر الأسترالي والنعامة كلها تراها في حديقة حيوانات في رفح جنوب القطاع، ولكن أحيانا الأمور ليس كما تبدو، فهناك بعض الحيوانات تكتشف حين تقترب منها أنها محنطة فقد قام محمد جمعه صاحب الحديقة بتحنيطها لأنه لم يحتمل فراقها كالأسد والثعابين، ولكنه لم يستطع تحنيط الجمل الأمريكي لضخامته والذي توفي بعد أن عجز البيطريون عن علاجه.
الطفلة هند المصري (11 عاماً) التي تقف أمام قفص الثعالب تتمنى لو ترى الفيل أو الزرافة يوما في حديقة حيوان بغزة، بينما تقول والدتها والتي سبق لها أن زارت حديقة حيوانات الجيزة في مصر خلال رحلة علاج اقتنصت بعضاً من الوقت للسياحة ورؤية ما لا تراه في غزة: "حديقة الحيوانات مرتبة ونظيفة وتمتلئ بالأشجار رغم أن المساحة المتروكة للحيوانات ضيقة للغاية، كما أن الحيوانات لا تبدو في أفضل أحوالها فهي معروضة في أقفاص صغيرة كما لو أنها للبيع أكثر من كونها حديقة حيوانات للترفيه وعرض الحيوانات بطريقة صحيحة".

الحيونات ضحية الحصار والحروب
"حديقة بيسان" والتي تقع في شمال قطاع غزة وتمتد على مساحة أربعة آلاف متر مربع هي الحديقة الثالثة ضمن أربع حدائق للحيوانات في القطاع، والتي كانت بالسابق ست حدائق، ولكنها أُغلقت نتيجة خسائر مادية أو موت أعداد كبيرة من حيواناتها بسبب العدوان والحصار.
محمد عليوة مدير الحديقة يقول أن "حديقة بيسان" تعتبر أول حديقة في القطاع وتم تأسيسها عام 2006، وقبل هذا العام كانت عبارة عن تماثيل في حديقة بمخيم الشاطئ إلى أن تم استيراد الحيوانات الصغيرة مع بداية عمل أنفاق التهريب مع مصر، ولكن الحيوانات الكبيرة بقيت عبارة عن تماثيل وتم بعدها نقل الحديقة إلى شمال القطاع لكن جاءت الحرب الأولى أواخر العام 2008 وتم تدمير الحديقة بشكل شبه كامل.
في تلك الحرب أصاب القصف الجوي والمدفعي الحديقة بشكل مباشر، وقتل غالبية الحيوانات ومنها الجمل العربي الذي أصابه صاروخ طائرة زنانة مباشرة، وبعد الاجتياح البري دخل جنود الاحتلال الحديقة وكان الأسد واللبؤة هربا إلى داخل دورة المياه، وهناك أغلق عليهما الجنود إلى أن انتهت الحرب، وبعد انجلاء الحرب كانت معظم الحيونات قد نفقت سواء من القصف أو افتراس بعضها بعضاً بسبب الجوع، وقد تم ترميم الحديقة لاحقاً ولكن بنسبة 60 في المئة مع غياب العديد من الحيوانات التي لم يتم تعويضها كالغزلان والزواحف.
ويجلس إبراهيم المليح (32 عاماً) على مربع من العشب الأخضر الذي يملأ المناطق المخصصة لجلوس واستراحة الزائرين في الحديقة وسط أقفاص القرود التي يحبها أطفاله دينا وحلا وقاسم، يحاول التقاط صور يبدو فيها بعض الحيوية لكن ليس بتلك السهولة، ويقول: "هذه حديقة حيوانات ولا يوجد فيها أشجار كثيرة وأغلبها تراب، والحيوانات كئيبة والرائحة ليست جيدة فلا يوجد اهتمام كافي"، مؤكداً أنه على الجهات الرسمية الاهتمام بتأسيس مشروع لحديقة حيوانات كبيرة، بدل الأقفاص الفارغة التي تملأ المكان.
وليس بعيدا عن إبراهيم يتجمع الأطفال حول قفص النسناس الذي يعتبر من أول الحيوانات التي تم إدخالها عبر أنفاق التهريب للحديقة ويرمون له الفستق ويقول أحدهم ويدعى قيس أبو زيد (9 أعوام): "يا ريت في شامبنزي كبير مثل اللي في التلفزيون"، ويذكره أخوه الأصغر موسى أبو زايد (7 أعوام) بالدولفين الذي يحب الأطفال على حسب تعبيره.
ويدرك عليوة أن ما تمتلكه حدائق الحيوانات في غزة متواضع وغير كاف ولا يلبي رغبات مرتاديها، لكنه يقول: استيراد الزرافة يكلف ربع مليون دولار والفيل حوالي 120 ألف دولار، وبدون وجود دعم من جمعيات الحيوانات العالمية يعتبر أمر شبه مستحيل، وحتى لو تمكنّا من شرائها فلن نستطيع إدخالها بسبب إغلاق المعابر".
وأضاف: "قبل نحو عام، نقل طاقم طبي من منظمة “فور بوز النمساوية” لحقوق الحيوان ثلاثة أسود هم ذكران وأنثى من غزة إلى محمية طبيعية في الأردن عن طريق معبر بيت حانون (إيرز)، وذلك من أجل تلقي العلاج النفسي بعد أن تعرضت حديقة الحيوان لقصف "إسرائيلي" خلال الحرب الأخيرة، وحتى هذه اللحظة نحن عاجزون عن استرجاعها بسبب اغلاق المعابر".

مشكلات وعقبات
وعن ابرز المشكلات والعقبات التي تعترض حدائق الحيوان في قطاع غزة، يقول البيطري شامية إن صغر مساحة الحدائق تعتبر مشكلة رئيسية، وعلى سبيل المثال حديقة نماء ونسبةً لعدد وكمية وتنوع الحيوانات التي تحتويها لا يجب أن تقل مساحتها عن عشرين دونماً، فلا يجوز وضع الحيوانات المفترسة كالأسد في مكان قريب من الغزلان، ويجب أن لا تقل المساحة فاصلة بينهم عن خمسة دونمات، لأن هذا يؤثر على الغزلان ويجعلها دائمة الخوف والرعب، ما يؤثر على هرموناتها فيؤدي إلى اضطرابات في عملية التوالد والإنجاب والخصوبة لديها.
والاضافة إلى صغر المساحة، فإن الحصار والحرب والاعتداءات "الإسرائيلية" المتكررة تشكل تحديات خطيرة تعوق عملية التطوير، ووفقًا لإحصائيات رسمية لوزارة الزراعة في غزة فإن قيمة الخسائر في قطاع الثروة الحيوانية، بسبب الحرب "الإسرائيلية" وصلت إلى 40 مليون دولار أميركي.

 

مواضيع ذات صلة