صفد برس

صفد برس

"البلاخية" موقع اثري يصارع الموت والاندثار!

2016020609213437128164.jpg

2016020609213437128164.jpg

 

غزة- ولاء السعافين

حظيت فلسطين على مدار التاريخ بمناطق أثرية تدل على عمق تاريخ المكان، وتلك الأقوام التي تعاقبت عليها من مختلف الأجناس، ليترك كل منهم بصمته في المكان الذي أقام فيه، ويأتي هذا من خلال سعى الجميع لفرض سيطرته عليها، لما لها من أهمية سياسية وزراعية وتجارية وحتى حربية في المكان الاستراتيجي الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا وعلى شاطئ المتوسط.


هناك في أقصى الشمال الغربي لقطاع غزة، موقع يروي لكل زائر أسطورة البقاء من زمن اليونانيين والرومان والكنعانيين، حيث شيده أصحابه بمزيد من الصبر والتعب ليصمد أكثر أمام الصعوبات، وكأنهم فهموا مبكرا كيف تعيش الآثار زمنا أطول من الأيادي التي شيدتها!!، ترحل الأمم عنها وتتبقى بصماتهم شاهداً تحكي التاريخ بطريقتها الخاصة.

"البلاخية" موقع أثري يصارع اليوم زحف رمال الشاطئ التي تكاد تطمس كل ملامحه.. هذا الموقع الأثري الذي يؤكد المختصون انه من أغنى مناطق قطاع غزة الأثرية، وأكثرها زخما، لا زال تحت أكوام التراب التي تغطي أجزاء كبيرة منها كنوز لم تكتشف بعد، يصارع المكان الموت بل ما أوتي من قوة، يصرخ بصوت لا يعيه إلا من يعرف قيمة ن يكون في بلادك مكان اسمه " البلاخية ".

أصل الموقع
"البلاخية" هي كلمة عربية الأصل، وتعني العظمة في نفسها، أما صيغة البلخية فتشير إلى "شجر عظيم له زهر كأزهار الرمان".. وتوضح هيام البيطار رئيسة قسم الآثار في وزارة السياحة في غزة أن اسم البلاخية العربي يقترب في معناه من الكلمة اليونانية (أنثيدون Anthedon)، والتي تعني الزهور، لاسيما زهور فاكهة الاسكادنية التي كانت تشتهر بها مدينة أنثيدون على ساحل منطقة (إيروبي Euripei).
وتقول: إن هذا الاسم - أنثيدون - أطلق على ميناء غزة عندما وسع تجار غزة من نطاق ونفوذ تجارتهم في القرن الخامس قبل الميلاد مع تجار بلاد اليونان الذين بدورهم أسسوا مستوطن تجاري لهم وأصبح المكان ينسب إلى اسمهم، وقد انعكس هذا الأمر على الحياة الاقتصادية بالمدينة وازدهارها وانتعاشها حيث سكت لها عملة خاصة بها من الفضة وهو ما يؤكد على انتعاش واستقلال المدينة اقتصادياً .
يقع موقع "البلاخية" على بعد ست كيلو مترات شمال غرب مدينة غزة القديمة، ويغطي مساحة تقدر بكيلو متر مربع تشمل الجزء الشمالي الغربي من مخيم الشاطئ للاجئين والمنطقة الساحلية المجاورة له المعروفة باسم "المشتل " ويرتفع الموقع مابين 17-20 متر عن سطح البحر.

تاريخ المكان
البلاخية ليس مجرد موقع اثري يحتوي العديد من الآثار القيمة والنادرة إنما هو شاهد على عصور تاريخية هامة لأمم أقامت بالمكان أو ممالك تأسست بالجوار منه، كما تؤكد الباحثة البيطار بالقول: هذا الموقع مر بالعديد من الأحداث التاريخية ، كان من أبرزها انقسام الإمبراطورية اليونانية بعد موت الإسكندر الأكبر إلى دولتين وهما دولة البطالمة في مصر ودولة السلاجقة بالشام، ومن هنا أتت الأهمية الإستراتيجية والعسكرية والتجارية للموقع حيث أصبح حلقة وصل بين الشام ومصر .
وتضيف: يعتبر هذا الموقع من أقدم الطرق الرومانية التي تربط القواعد العسكرية الرومانية في سوريا بالقواعد العسكرية في الإسكندرية وكان ذلك في زمن الإمبراطور الروماني (يوليوس قيصر)، إضافة إلى ذلك استخدام الموقع كميناء لمرور القوافل التجارية التابعة للأنباط قبل وخلال سقوط البتراء عاصمة أنباط العرب أثناء الحكم الروماني سنة 106م حيث تم العثور على فخار نبطي في موقع البلاخية، كما مر من هذا الميناء في عام 69 م القائد الروماني ( تيتس Titus) أثناء قدومه من مصر إلى فلسطين .
وتشير الأحداث التاريخية التي دونت في ذلك الوقت أن غزة وميناؤها عادا بالانتعاش من جديد سنة 129م عندما قام الإمبراطور (هادريان) بزيارتها واعتبرت هذه الزيارة بداية التقويم الغزي الهدرياني تكريماً له.

محتويات الموقع
وتصف البيطار المكان بالقول: موقع البلاخية يتكون من سور مبني بالطوب اللبن يعود تاريخه إلى العصر الكنعاني - العصر الحديدي الثاني - ( القرن الثامن قبل الميلاد)، ضمن أقدم طبقة أثرية عثر عليها بالموقع التي تعود إلى مرحلة السيطرة البيزنطية التي سادت في المنطقة .
كما كشفت الحفريات عن وجود مخلفات أثرية والعديد من الأواني الفخارية ، وبواقي هياكل عظمية بشرية وحيوانية ، إضافة إلى قطع نقدية متنوعة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة تركتها حضارات سكنت مدينة غزة القديمة منوهةً إلى أن معظم هذه القطع الأثرية تم نقلها إلى متحف قصر الباشا للحفاظ عليها الضياع .
وأثبتت الحفريات أيضاً وجود أرضيات فسيفسائية ملونة بألوان جميلة وزاهية تعكس الحياة الاجتماعية والطبيعية والزراعية التي كانت موجودة في موقع البلاخية خاصة ومدينة غزة عامة والتي تعود إلى الفترة الرومانية .

خطر داهم
البلاخية وكغيرها من المواقع الأثرية في قطاع غزة، غابت ملامحه وراء محاولات طمس إسرائيلية حيث غيبت عن الاهتمام بشكل متعمد طوال فترة سيطرة دولة الاحتلال على قطاع غزة من العام 1967 وحتى انسحابها منه في العام 2005، لتقف اليوم تعاني أمام تحديات الزمان، وتوضح البيطار أن المد الحضري والعمراني يهدد الموقع ويحاصره من جميع الجهات كما أن الجزء الغربي المواجه لشاطئ البحر يتعرض لعوامل انجراف مياه البحر إليه بسبب ردم رصيف ميناء الصيادين على بحر مدينة غزة وهذا يشكل خطراً كبيراً يهدد بقاء ووجود الموقع .
واستكملت البيطار حديثها : يعتصرنا الألم ونحن نشهد الخطر الذي يهدد المكان، خاصة بعد القصف الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة على غزة التي لم يسلم منها حتى الحجر، فقد تعرضت كل المنطقة المحيطة لقصف عنيف من قبل الطائرات الحربية، والذي الحق أضرار بلاغة في المكان وهدم أجزاء كبيرة منه، بدلا من أن يتم ترميم المكان لان الموقع يعاني أصلا من تهالك بفعل عوامل الزمن.
ولم يقف التهديد عند هذا الحد حيث اقتطع جزء من الموقع لصالح وزارة الداخلية وتم إلحاقه بموقع المشتل القريب، وكل أملنا الآن عدول وزارة الداخلية عن الانتفاع من المكان كوقع عسكري من خلال مخاطبات كثيرة بعثنا بعها إلى رئاسة الوزراء والالتفات إلى الاعتناء بالمكان ويكفي ما لحق به من إهمال وطمس وشح في الإمكانيات اللازمة بفعل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ ما يزيد عن تسعة أعوام لإعادة ترميم المكان والاهتمام به لإبراز الوجه الحضاري لمدينة غزة.

 

مواضيع ذات صلة